ملف الستاند أب كوميدي عربيا محاولة للضحك على واقع ثقيل
في السنوات الأخيرة، خرج فنّ الستاند أب كوميدي عربياً من الهامش إلى مساحة ثقافية يصعب تجاهلها. لم يعد مجرد عروض صغيرة في مقاهٍ أو مسارح محدودة، بل صار ظاهرة اجتماعية تعكس تحولات عميقة في علاقة الجمهور العربي بالكلام والضحك والرقابة والسلطة والهوية. من القاهرة إلى الدار البيضاء، ومن بيروت إلى دمشق ورام الله، يتشكّل مشهد متشابه في أسئلته، مختلف في شروطه، ومشترك في قلقه.
هذا الملف يجمع خمس محطات من هذا المشهد العربي المتنامي، لا بوصفها تجارب فنية فحسب، بل باعتبارها مرآة للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في كل بلد. فالستاند أب، في جوهره، فنّ الكلام الحرّ أمام جمهور حيّ؛ أي إنه يقف دائماً على خط تماس مباشر مع ما يمكن وما لا يمكن قوله.
في لبنان، يتحول الستاند أب إلى بحث عن لغة قادرة على قول ما تعجز عنه الخطابات السياسية والإعلامية في بلد يعيش انهياراً مستمراً. أما في فلسطين، فيأخذ الضحك معنى آخر، بوصفه فعلاً من أفعال الصمود والبقاء، وسبيلاً لمقاومة واقع يومي مثقل بالعنف والاحتلال. وفي سورية، يظهر الستاند أب كوميدي بوصفه محاولة لاقتناص لحظة ضحك قصيرة وسط تاريخ طويل من الخوف والصمت. وفي مصر، يصطدم الكوميديون بما يمكن تسميته الثلاثية المحظورة (السياسة والدين والجنس)، وهي الحدود التي ترسم المجال المتاح للضحك وتحدد سقفه. في المغرب، يبدو المشهد أكثر ازدهاراً جماهيرياً، لكنه يعيش توتراً بين النجاح التجاري وخطر الاستهلاك السريع وفقدان العمق.
ما يجمع هذه التجارب ليس تشابه النكات ولا الأساليب، بل الوظيفة التي يؤديها الستاند أب في المجتمعات العربية اليوم. إنه مساحة للاعتراف، ولتفكيك المحرّمات، ولإعادة التفاوض على حدود التعبير. وفي الوقت نفسه، هو صناعة ناشئة تبحث عن جمهور وعن نموذج اقتصادي وعن شرعية ثقافية. الضحك هنا لغة اجتماعية وسياسية. وهو، في كثير من الأحيان، محاولة جماعية لفهم واقع يبدو أثقل من أن يُقال مباشرة.
ارسال الخبر الى: