عن الساحل الدبابة والشاحنة
في غضون أقل من شهرين، قدّمت الجزائر والنيجر صورة غير مسبوقة لما يتعيّن أن تكون عليه العلاقات، ليس بين البلدين فحسب، ولكن بين كامل دول الساحل والصحراء. هذا النموذج الذي يتأسس في الوقت الحالي في العلاقة بين الجزائر والنيجر، وأيضاً مع موريتانيا وتشاد ومالي، على صعيد تحويل العلاقات التقليدية إلى علاقات منتجة على صعيد التنمية والبنى التحتية والاقتصاد والتجارة والتعاون الأمني، جدير بأن يتم تركيزه في كامل منطقة الساحل، كونه يبتعد بمسافة عن القراءات التقليدية إلى المعالجات العملية والملموسة للأزمات، من دون إقصاء ثلاث قواعد أساسية: الأمن المشترك، التنمية المتوازنة، وتثبيت أركان الدولة ضد الكيانات.
في يونيو/حزيران الماضي، افتتحت محطة توليد الكهرباء بمنطقة غورو باندا بالعاصمة النيجرية نيامي، ستوفر الطاقة لمليون مواطن، تولت الجزائر إنجازها، مادياً وتقنياً. وفي الأسبوع الماضي، تم التدشين المشترك الحقل النفطي الكفرا في النيجر قرب الحدود مع الجزائر، والذي سيسمح للنيجر بدخول سوق الإنتاج النفطي وتغطية احتياجاتها الأساسية، وبناء تدريجي لقطاع الطاقة في هذا البلد، ومثل هذه المشاريع وغيرها، يفترض أن تمثل بدايات مهمة لتغيير وجه المناطق الحدودية.
حتى وإن كانت مثل هذه الخطوات تتم متأخرة، لكن المهم أنها وُضعت قيد التنفيذ الآن. الطريق الصحراوي بين تندوف الجزائرية والزويرات الموريتانية ومناطق التبادل التجاري الحدودي، ومشروع سكة الحديد الذي يشق صحراء الجزائر في أفق يصل إلى نيامي وبماكو (تحدث عنه الرئيس الجزائري في إبريل/نيسان 2023)، تعكس كلها قناعات سياسية بدأت تتشكل لدى النخب الحاكمة في مجموع الدول التي لها جغرافية مفتوحة، كما بين دول الساحل والصحراء، من أنه لا يمكن أن تستقر الأوضاع دون شق الطرق والممرات للشاحنة. يقصد بالشاحنة هنا معنى وسائل سيولة التجارة والتبادل الاقتصادي، ذلك الذي يسهم في تثبيت السكان وخلق فرص الحياة وتركيز مقومات الأمن المشترك بين هذه الدول، بحيث يستوعب ذلك ضمن معنى الأمن الشامل الذي لا يمكن أن تحققه الدبابة وحدها.
هذا الترابط الضروري بين الشاحنة بما هي مؤدى للتنمية، والدبابة بما هي مؤدى للأمن، هو ما يفسر تزامن إطلاق مشاريع
ارسال الخبر الى: