الزيارة ما يخترعه التونسيون لاحتمال أزماتهم
بدأت عروض الزيارة التونسية منذ 13 عاماً. لكن الطقس الذي يستعيده العرض - طقس زيارة الأولياء الصالحين والتبرك بهم - أقدم بكثير؛ قد يعود إلى 13 قرناً مع وفاة عدد من الصحابة في شمال أفريقيا بعد فتحها، وربما أبعد من ذلك.
لا توجد ضمانة كي يتحوّل طقس قديم إلى فرجة حديثة. وقد كان عرض الزيارة الذي تصوّره الفنان التونسي سامي اللجمي بادئ الأمر مجرّد رقم بين عدة عروض، أبرزها الحضرة لـ فاضل الجزيري، ظاهرها توثيق للموروث الصوفي وباطنها استثمار مادي فيه عبر تحويله إلى فرجة للاستهلاك الجماهيري. أكثر من ذلك، باتت الزيارة ظاهرة سوسيوثقافية مستقلة بذاتها في تونس؛ لها تاريخ تطوّر من عرض إلى آخر، وأرشيف سمعي وبصري واسع، وجمهور لا يملّها ويعاود حضور عروضها مرة بعد أخرى، وقاعات ومسارح ممتلئة عن آخرها، وهو ما أكدته الجولة الأخيرة للعرض، بين مسارح الجم وقرطاج وسيدي ظاهر بسوسة ودار سيبستيان في الحمامات، وقد تزامنت مع الاحتفالات بالمولد النبوي نهاية أغسطس/آب الماضي.
ما يلفت في الزيارة أنها متعددة الوجوه، فهي في آن: فرجة جماهيرية ناجحة، واستحضار لطقس قديم يعمل آليةً للتنفيس الجماعي عن الأزمات، وتسليع للتراث الصوفي. ونشأت علاقة مركّبة لا تخلو من غموض بين الزيارة وجمهورها حتى باتت مع تضخّم ظاهرتها تكشف الكثير عن المجتمع الذي يستهلكها.
تفعيل طقوس التبرّك والاستجابة
يجدر أن نبدأ من الزيارة التي عمرها 13 قرناً لنفك بعض ألغاز زيارة اليوم. لماذا اخترعت المجتمعات المحلية الزيارة بدءاً؟ فقد يرشدنا ذلك إلى فهم كيف عادت بهذه القوة.
يكشف هذا الخيط التاريخي بأننا لسنا حيال استعادة جاهزة لموروث صوفي، بل نحن أمام استجابة لحاجة اجتماعية كامنة سرعان ما التقطها الفنانون ففعّلوها. وربما تكمن المفارقة في أن هذه الحاجة إلى الزيارة، وإن تغيرت أشكالها ومواقع تجسيدها، لم تتغير وظيفتها كثيراً. فمنذ قرون كانت حمّالة لدعوات الاستجابة للنجاة من الأوبئة والجفاف والمجاعة ومختلف نوائب الطبيعة وقد كانت أبعد من سيطرة الدولة والناس، فضلاً عن أدوار اجتماعية صغرى تلعبها بوصفها ملجأ أخيراً
ارسال الخبر الى: