الزفت السوري
ثمّة عبارة متداولة تشرح رثاثة الحال، يردّدها الناس المعدمون في سورية الذين يعيشون في أسفل السلّم الاجتماعي، تلخّص سوء المعيشة بكلمة واحدة: زفت. وهذا يعني بالفصيح جدّاً الدرك الأسفل. وهو ما يشرح حال معظم السوريين الذين تصنّف تقارير رسمية 60% منهم في مرتبة تقع تحت خطّ الفقر، أي إنّهم لا يملكون دخلاً أو مورداً كافياً لتغطية الحدّ الأدنى من الحاجيات، مثل الخبز والسكّر والزيت، وما يندرج في هذه الخانة من المواد الأولية التي تنقذ الإنسان من الموت.
ورث السوريون هذا الوضع المعيشي الصعب من العهد السابق، ولم تتّسبب به السلطة التي تولّت الحكم بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. فقد عاشوا أكثر من عقد في الفقر، ولذلك راهنوا على تحسّن أوضاعهم في العهد الجديد، وانتظروا أكثر من عام ونصف العام كي يلمسوا تغيّراً ملحوظاً يجعلهم يحصلون على الخبز والوقود والكهرباء بشروط أفضل من السابق، لكن هذا لم يحصل، واستمرّ الموقف الاقتصادي بالتدهور من سيئ إلى أسوأ، ففواتير الكهرباء خيالية مقارنة بدخل الفرد والمرتبات الهزيلة، وأسعار الوقود ارتفعت إلى مستويات تتجاوز مثيلاتها في بلاد ليست نفطية مثل الأردن، وخدمات الصحّة صعبة المنال، كما أن الماء الصالح للشراب غير متوافر في القسم الأكبر من محافظة الحسكة التي تمدّ الدولة بنسبة كبيرة من النفط.
يجب الاعتراف بأنّ السلطة الجديدة غير مسؤولة عن التركة الاقتصادية الثقيلة، وقد تكون بعض المطالبات الشعبية ذات طابع استعجالي وتعجيزي، في ظلّ الموارد المحدودة جدّاً للدولة التي انتظرت مساعدات عربية ودولية، لم تصل إلّا على نحو رمزي، يغطي جانباً محدوداً من الاحتياجات الرئيسة كالرواتب. وزاد الوضع الإقليمي المتفجّر في تأزيم الأزمة جرّاء الحرب على إيران وتأثّر اقتصادات دول الخليج العربي التي كان يعوّل على بعضها من أجل ضخّ استثمارات عاجلة تحسّن المؤشّرات الاقتصادية، وتوفّر فرص عمل لعدد من العاطلين من العمل. غير أنّ هذا لا يبرّر الأداء الاقتصادي للسلطة السورية الذي يتّسم بسياسات ارتجالية لمعالجة الاختلالات الكبيرة في الاقتصاد، وسوء التخطيط على المستويات كافّة،
ارسال الخبر الى: