الرموز البصرية في قلب المؤامرة الشرق الغامض والغرب المتآمر

94 مشاهدة
في أوقات الحروب والصراعات تختلط الوقائع بالتأويلات ويتحول الخوف إلى بنية سردية كاملة وكما يوضح أمبرتو إيكو في روايته بندول فوكو فإن سحر هذه السرديات لا يكمن في دقتها بل في قدرتها على تحويل أي تفصيلة عابرة حتى لو كانت قائمة غسيل إلى دليل ضمن خطة كونية فوسط الفوضى التي تخلقها الحروب والانهيارات الاقتصادية يصبح هذا النوع من القراءة المريبة مغريا بشكل لا يقاوم وهنا تحديدا تزدهر نظريات المؤامرة وتتحول الرموز إلى أدلة بصرية تنتظر من يقرؤها ويكشف أسرارها هذا الميل إلى اختزال الصراع في فكرة المؤامرة ليس جديدا فمنذ القرن الثامن عشر ظهرت سرديات تتهم جمعيات مثل المتنورين بالوقوف وراء الأحداث التاريخية الكبرى رغم أن هذه الجماعة كانت في الأصل تنظيما محدودا زمنيا وتأثيرا لكن ما يمنح الحكاية قوتها ليس دقتها بل قدرتها على تبسيط العالم وتحويله إلى قصة ذات أبطال وأشرار في خضم هذه التأويلات تقف الرموز البصرية والعلامات أدلة على المؤامرة مثل العين داخل مثلث أو النجمة الخماسية غير أنه من المهم هنا التفريق بين مستويين من هذه الرموز فهناك رموز شديدة الشيوع في ثقافة المؤامرة مثل العين التي ترى كل شيء على العملة الأميركية والتي تتردد في آلاف المنشورات الرقمية وهناك رموز أخرى أكثر نخبوية وأقل انتشارا مثل الأوروبوروس الثعبان الذي يلتهم ذيله nbsp تعيد نظرية المؤامرة إنتاج أنماط استعمارية بشكل مبسط هذه الرموز التي تعود أصولها إلى تقاليد دينية أو فلسفية قديمة تعاد قراءتها اليوم ضمن سياق سياسي معاصر وبالغ التعقيد فالعين على سبيل المثال تحولت من رمز ديني يشير إلى العناية الإلهية والرقابة الروحية إلى دليل على هيمنة قوى خفية ظهر هذا الرمز في أوروبا منذ عصر النهضة وهو عبارة عن عين داخل مثلث يرمز إلى الثالوث استخدم هذا الرمز في الكنائس واللوحات الدينية للدلالة على أن الله يراقب العالم ويرعاه أي إنه كان علامة على الحضور الإلهي الدائم لا على سلطة خفية أو مؤامرة لكن جذور الرمز أقدم من ذلك ففي مصر القديمة مثلا نجد عين حورس رمزا للحماية والشفاء ورغم اختلاف معناها عن المفهوم المسيحي تشترك معه في فكرة العين الحارسة التي تراقب وتحمي والأمر نفسه ينطبق على الأوروبوروس وهو ظهر بوضوح في مصر القديمة ثم انتقل إلى العالم اليوناني الهلنستي قبل أن يستقر في تقاليد لاحقة مثل الغنوصية ولعل أقدم ظهور معروف له يعود إلى نصوص جنائزية مصرية حيث يظهر الثعبان ملتفا حول نفسه في إشارة إلى الدورة الكونية أي فكرة أن العالم يتجدد باستمرار وأن النهاية ليست سوى بداية جديدة هنا لا يحمل الرمز أي دلالة سلبية بل يرتبط بفكرة الاستمرار والاتساق الكوني وقد جرى اقتطاع هذا الرمز من سياقه وإعادة تفسيره بوصفه دليلا على نظام مغلق تتحكم فيه قوى خفية أو على دوائر سلطة لا يمكن كسرها وهي قراءة حديثة تحمل الرمز دلالة سياسية لم تكن جزءا من معناه الأصلي رموز تعمل داخل ثنائية تحدد مسبقا موقع الخير والشر ما يحدث هنا هو انتقال في الدلالة من الرمز أداة للتأمل أو التعبير الروحي إلى الرمز قرينة اتهام فبدلا من قراءة هذه العلامات ضمن سياقها التاريخي والثقافي يتم اقتطاعها وإعادة توظيفها داخل سردية جاهزة وهنا يمكن الاستناد إلى ما يذهب إليه رافاييل ساسوفر ولويس سيكوتيلو في كتابهما صور الحرب تخييط الواقع 2003 حيث يريان أن التزييف لا يحدث بالضرورة عبر تركيب صور مزيفة بل عبر عملية الكولاج والتجميع التي تخلق سردية جديدة غير موجودة في الأصل فالصورة الواحدة تستخدم مرارا لتثبيت أيديولوجيا معينة ليس لأنها كاذبة بل لأنها مجتزأة من سياقها الأوسع والأمر نفسه ينطبق على الرموز البصرية في نظريات المؤامرة فالعين المقتطعة من زخرفة كنيسة من العصور الوسطى والمثلث المرسوم في لوحة لفنان معروف يعاد تجميعهما معا داخل إطار سردي واحد فينتج ما يسميه ساسوفر وسيكوتيلو واقعا مخيطا لا علاقة له بالأصول التاريخية لتلك الرموز nbsp إحدى النقاط الأكثر أهمية في تحليل هذه الظاهرة هي علاقتها بسردية أقدم كالصراع بين الشرق والغرب هذه الثنائية التي تبدو اليوم بديهية في الخطاب الإعلامي تشكلت ملامحها خلال الحقبة الاستعمارية ففي القرنين التاسع عشر والعشرين جرى تصوير الشرق بوصفه فضاء غامضا وروحانيا ومليئا بالأسرار مقابل غرب عقلاني وحداثي وهذا هو جوهر ما يسميه إدوارد سعيد الاستشراق كخطاب ففي كتابه الاستشراق يوضح سعيد أن الكتاب والمستشرقين الأوروبيين صوروا الشرق على أنه مكان غير عقلاني ومنحط وغامض وخطر مقابل الغرب الذي صور على أنه عقلاني وحديث ومتفوق وقد أسست هذه الصورة لخيال ثقافي يرى العالم منقسما إلى كتلتين متعارضتين شيوعها فنيا لا يعني أن شبكة سرية تحكم العالم وعندما تقرأ الرموز في إطار نظريات المؤامرة اليوم فإنها توزع على هذا الخط الفاصل فالعين والمثلث قد تقرآن بوصفهما أدوات غربية بينما رموز أخرى كالنجمة الخماسية أو الحروف الغامضة قد تنسب إلى شرق متآمر في الحالتين تعمل الرموز داخل جغرافيا ثنائية تحدد مسبقا أين يقع الخير وأين يقع الشر وهكذا تعيد نظريات المؤامرة إنتاج الثنائية الاستعمارية بشكل مبسط إما أن يقدم الشرق باعتباره مركزا للخطر أو للمؤامرة أو يصور بوصفه ضحية دائمة لقوى غربية تتحكم في مصائره لكن اللافت أن الرموز نفسها كالعين مثلا يمكن أن تنتقل من الغرب المتآمر إلى الشرق الضحية وفقا لمن يروي الحكاية وهذا يؤكد أن الرمز بلا وطن فالسردية هي التي توطنه ولا يمكن فصل انتشار هذه الرموز عن السياق الثقافي الأوسع حيث تحولت الرموز ذات الطابع الباطني والغامض إلى جزء من الثقافة الشعبية فالفن والسينما والموسيقى وحتى تصميم الأزياء تستعير هذه الرموز لما تحمله من جاذبية بصرية وغموض دلالي هذا الاستخدام يخلق مفارقة لافتة فبينما يرى منظرو المؤامرة في هذه الرموز أدلة على وجود شبكة سرية تحكم العالم يستخدمها الفنانون والمصممون لأنها تمنح العمل طابعا غامضا وجاذبا بين القراءتين ينفتح الرمز على مسارين متوازيين أحدهما تأويلي مفتوح والآخر اتهامي مغلق وإذا كانت الرموز تمثل البنية البصرية لنظريات المؤامرة فإن الوسيط الذي تنشط فيه اليوم لا يقل أهمية عن الرمز نفسه فمع صعود المنصات الرقمية يتم تداول هذه السرديات كجزء من تدفق يومي للصور والمقاطع القصيرة هنا يتغير شكل التلقي ذاته إذ لا يطلب من المتلقي قراءة نص طويل أو تتبع حجة متماسكة بل يكفيه التوقف عند صورة أو شعار أو لقطة مجتزأة ليبدأ في نسج تأويله الخاص

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح