الرقص على جراح الواقع ليس العار في الرقص على الجراح بل العار في من جعلوا الجراح وطنا

يمنات
فؤاد محمد
مقدمة
في كنف المجتمعات التي أصابها العطب الأخلاقي، تنقلب الموازين وتختل الرؤية، حتى يصبح القاتل بطلاً يُشار إليه بالبنان، والفاسد رمزاً للذكاء والدهاء، بينما يُحاصر المظلوم في أضيق زوايا الوجود. إن المفارقة التي نعيشها اليوم ليست مجرد خلل سياسي أو اقتصادي، بل هي “ردة حضارية” تجعل من لعق أحذية الطغاة طقساً اجتماعياً مقبولاً، بينما تستهجن على الضحية صرختها، أو تأنف من رقصة تعبر بها عن وجعها أو تشبثها بالحياة.
سيكولوجية تقديس الطغاة ولعق الأحذية
لماذا يترك الناس القتلة واللصوص بل ويمدحونهم؟ تكمن الإجابة في أعماق النفس البشرية الخائفة أو المستلبة. إن تقديس الظالم غالباً ما يكون نتاجاً لـ “متلازمة ستوكهولم الجماعية”، حيث يتماهى المظلوم مع ظالمه طلباً للأمان أو طمعاً في فتات القوة.
إن هؤلاء الذين “يلعقون الأحذية” لا يفعلون ذلك حباً في الجلد، بل لأنهم فقدوا الإيمان بقدرتهم على التغيير، فاستبدلوا الكرامة بالخضوع. وفي هذا السياق، تبرز الحكمة القرآنية التي تصف هذا الانحدار في الاختيار: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة:61). إن استبدال الحرية بالعبودية، والعدل بالظلم، هو قمة السفه الأخلاقي الذي تعاني منه المجتمعات المأزومة.
محاكمة الضحية.. عندما يصبح “الرقص” جريمة
الجريمة الحقيقية في نظر هؤلاء ليست القتل أو النهب، بل هي “إرادة الحياة” لدى المظلوم. عندما يرفض المظلوم أن ينكسر، عندما يختار أن يغني في زنزانته، أو يرقص فوق جراحه، فإنه يكسر “هيبة الألم” التي أراد الظالم فرضها.
إن استنكار رقصة الوجع أو العافية ينبع من رغبة دفينة في رؤية الضحية ذليلة، محطمة، وصامتة. فالظالم ومريدوه يزعجهم أن يجد المظلوم متنفساً، لأن الفرح -ولو كان ممزوجاً بالدم- هو نوع من أنواع المقاومة. هنا نذكر قول الحكماء: “الذلُّ أفظعُ من الألم، لأنَّ الألم يمرُّ والذلُّ يُمَرضُ الروح”. الضحية التي ترقص ترفض المرض الروحي، ترفض أن تتجرع الذل، وهذا ما لا يغفره لها “قطيع المنافقين”.
أمثلة تاريخية على الرقص كمقاومة
من رقصات الزنوج الأحرار في أمريكا التي حافظت على هويتهم في زمن العبودية، إلى
ارسال الخبر الى: