الديكولونيالية في فرنسا نظرية مهاجرة أم شبح يهدد قيم الجمهورية

47 مشاهدة
صحيح أن الأفكار ترتحل وتهاجر كما يفعل البشر فهي تسافر محملة مثلهم بتاريخها ولغتها وذاكرتها وتصطدم مثلهم بالحدود وشروط الاستقبال التي تحدد من هو موضع ترحيب ومن هو محط شك وريبة فالأفكار القادمة من الجنوب العالمي غالبا ما تحتاج هي أيضا إلى ما يشبه جواز سفر ثقافيا كي تحظى بالقبول والاعتراف هذا بالضبط ما يتبادر إلى الذهن عند تأمل عوائق تلقي الفكر الديكولونيالي في فرنسا ولدت الديكولونيالية في أميركا اللاتينية في تسعينيات القرن الماضي بوصفها مشروعا نقديا يسعى إلى مساءلة الجانب المظلم من الحداثة الغربية وارتباطها العضوي بالرأسمالية والتجربة الاستعمارية التي لم تنته آثارها باستقلال دول الجنوب العالمي وإلى تفكيك ادعاءات الكونية الأوروبية وكشف دور العلوم الإنسانية الغربية في ترسيخ رؤية هرمية لشعوب العالم وثقافاته غير أن هذه النظرية حين هاجرت إلى فرنسا بدت مثل مهاجر غير شرعي يثير المخاوف باستدعائه أشباح الماضي وطرحه الأسئلة المقلقة فباتت موضوع سجال حاد متعدد الأطراف تجاوز الأوساط الأكاديمية إلى الإعلام والبرلمان والأحزاب فيما لم تعترضها الصعوبات ذاتها في بلدان غربية أخرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا فما الذي يفسر هذا الاستثناء الفرنسي nbsp كيف للجمهورية أن تكون كونية من دون مراجعة إرثها nbsp يطرح المؤرخ باسكال بلانشار في كتابه المشترك مع بنجامان ستورا هل ينبغي أن تعتذر عن الاستعمار ديسكليه دو بروير 2025 ثلاثة أسباب تجعل من الاستعمار آخر محرم تاريخي في فرنسا وتفسر ربما ما تلقاه الدراسات الديكولونيالية من مقاومة امتداد التجربة الاستعمارية الفرنسية لما يقرب من خمسة قرون خلفت أعمق الأثر في تكوين المجتمع والدولة الفرنسيين التناقض الذي يصعب تجاوزه بين مبادئ الجمهورية وتاريخها الاستعماري وذاكرة التجربة التي ظلت حية عند أحفاد المستعمرين من المهاجرين ويرى بلانشار أن الدولة الفرنسية قد اتخذت من النسيان سياسة لطمس هذا التاريخ خشية تداعياته على الحاضر تأسست الجمهورية الفرنسية على تصور تعد فيه نفسها وريثة للأنوار وقيمها الكونية ودولة حملت راية حقوق الإنسان وأعلت قيم المساواة والمواطنة ولما كانت الديكولونيالية تنقض هذه السردية مذكرة بالجانب المعتم من التنوير ولا تكتفي بإعادة قراءة الماضي بل تسائل الامتيازات الغربية التي شيدت على أنقاضه فإنها تنكأ جراحا لم تلتئم ما يجعل مسار تصفية استعمار العقل طويلا وتعترضه ضروب مختلفة من المقاومة ذلك أنه يتطلب التخلي عن كثير من الامتيازات ولا سيما الامتياز المرتبط بكون المرء أبيض كما تقول المنظرة النسوية فرانسواز فيرجس nbsp هنا بالضبط تكمن حساسية النقاش حول الديكولونيالية في فرنسا ولهذا لا تعامل بوصفها نظرية نقدية بل على أنها شبح يهدد الأمة الفرنسية التي بنت مشروعها السياسي والرمزي على الكونية والمساواة والحياد فهي حين تذكر بأن القيم الكونية المدعاة ليست مطلقة وأنها تشكلت في سياق عنف استعماري وحين تؤكد أن المعرفة ليست محايدة بل متموضعة اجتماعيا وتاريخيا إنما تطرح السؤال الجذري الذي لا ترغب بعض النخب السياسية والثقافية في مواجهته كيف يمكن للجمهورية أن تكون كونية من دون أن تراجع إرثها الاستعماري nbsp ولعل هذا ما يفسر أن كثيرين ولا سيما في الأوساط اليمينية قد رأوا فيها تيارا دخيلا مسيسا يسعى إلى نقض القيم الجمهورية وإلى تقسيم المجتمع بالاستناد إلى مفاهيم تنقصها وفقا لهم الصرامة العلمية مثل العرق والجندر وامتياز الرجل الأبيض وإلى ممارسة لا تفصل بين النضال السياسي والبحث العلمي وهكذا بات هذا التيار جزءا من السجالات المحتدمة التي تشهدها فرنسا حول قضايا الهوية والعلمانية والمهاجرين المسلمين وبلغ الأمر حد إنشاء مرصد للديكولونيالية يضم باحثين وأكاديميين وصحافيين أسندت إليهم مهمة رصد تغلغل الأيديولوجيات الديكولونيالية والهوياتية في الجامعات الفرنسية ونقدها والتصدي لها النسيان بوصفه سياسة لطمس التاريخ وتداعياته على الحاضر وبات كل من يتبنى أفكارها ومناهجها متهما بالإسلامو يسارية أو معاداة السامية خصوصا خلال الحراك الجامعي الفرنسي ضد حرب الإبادة على غزة فذهب بيير أندريه تاغييف أحد أبرز خصوم الديكولونيالية وعضو المرصد المذكور بعد أن اتهمها في كتابه الخداع الديكولونيالي العلم الوهمي والعداء المزيف للعنصرية لاوبسرفاتوار 2020 بأنها ليست سوى عنصرية مضادة للبيض إلى اختراع مفهوم جديد أسماه الإسلامو فلسطينية وجعله عنوانا لكتاب يؤكد فيه أن أسطرة الضحايا الفلسطينين والقضية الفلسطينية بلغة محرفة تستخدم حقوق الإنسان وترتبط بلا ريب بالدعوات إلى الجهاد وتتبدى مواقف مرصد الديكولونيالية آلية ضبط للحدود الرمزية والثقافية تذكر إلى حد بعيد بسياسات ضبط الهجرة فكما يفرز المهاجرون بين مرغوب فيهم وغير مرغوب فيهم تفرز النظريات أيضا بين نقد مشروع صادر عن تقاليد أوروبية داخلية وبين أيديولوجيا مستوردة من الجنوب أو من الجامعات الأميركية ولهذا يشدد أنصار الديكولونيالية مثل عالم الاجتماع ستيفان دوفوا على أن هذا الفكر لا يعادي العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية لكنه ينتقد نزعتها المركزية ويدعو إلى إدماج الإنتاجات الفكرية من كل أنحاء العالم وإلى إعادة النظر في ما يعد حيادا علميا مطلقا وما هو في الحقيقة إلا انعكاس دائم لمنظومة تصنيف غربية محددة ويذكر هؤلاء بأن البعد السياسي في دراسات الديكولونيالية ناجم عن طبيعتها التي تتحدى أسس الهيمنة المعرفية وتكشف عن الضغوط التاريخية والثقافية التي تفرض رؤية أحادية للعالم وللإنسان أما ميشيل فيفيوركا فينتقد في كتابه العنصرية معاداة السامية ومناهضة العنصرية دفاعا عن البحث العلمي لابوات آباندور 2021 خطاب أعضاء المرصد من أمثال تاغييف الذين يفسرون أي اهتمام من الباحثين الآخرين بمفاهيم مثل العرق والديكولونيالية والتقاطعية الاجتماعية بأنه تبن لها يمثل تهديدا مباشرا لقيم الجمهورية لكنهم في المقابل ينشطون في الدفاع الحصري عن السياسات الإسرائيلية متجاهلين سائر أشكال التمييز والعنصرية وبذلك يغدو تنديدهم بالديكولونيالية مجرد طريقة لغض الطرف عن نتائج الاستعمار وآثاره وفي مواجهة الحملات المتزايدة ضد الديكولونيالية يصر مؤيدوها على أنها تشكل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة والمجتمع على مواجهة ذاتهما فالسؤال يتعدى إصدار الأحكام على الديكولونيالية إلى قدرة الفضاء العام الفرنسي على استيعاب نقدها دون تحويله إلى حرب ثقافية وعلى تحويل النقاش حولها إلى فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين السردية القومية وحقائق التاريخ وهذا يقتضي أن يكف المجتمع عن معاملة الأفكار معاملة الأشباح المخيفة فالديكولونيالية ليست مهاجرا يسعى إلى الاندماج بشروط النظام القائم وما تطرحه من أسئلة لا يخص فرنسا وحدها بل يتوجه إلى كل مجتمع يعيش التناقض بين قيمه المعلنة وتاريخه الحقيقي

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح