بين الدولة الفاشلة وخيار التبعية استراتيجية إسرائيل في جنوب سورية
56 مشاهدة
مقدمة أصبح الجنوب السوري ميدانا لصراع الاستراتيجيات الدولية والإقليمية بعد انهيار سلطة الأسد وتحول الدولة السورية إلى فسيفساء تحكمها قوى أمر واقع تفرض أجندتها بالوكالة عن القوى الأجنبية التي تدعمها ففي حين تنظر أميركا إلى الجنوب السوري على أنه مساحة ضبط استراتيجي يخدم مشاريعها الاستعمارية المتسجدة في الشرق الأوسط الجديد القائم على الهيمنة الإسرائيلية المطلقة في الإقليم ترى تركيا كذلك في الجنوب السوري ورقة ضغط مهمة على إسرائيل من جهة ومعبرا حتميا للوصول إلى دول الخليج العربية وموقعا استراتيجيا مميزا يضمن لتركيا أن تثبت حضورها في المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية التي يجري الحديث عنها كخط العبور الهندي الأوروبي من جهة ثانية أما روسيا وإيران فليستا غائبتين عن مشهد الصراع في الجنوب السوري لا سيما أنهما يحاولان استغلال ما يمكن أن يجري من صراعات لتحقيق مكاسب ضمن استراتيجية الصبر الاستراتيجي التي تعتمدها القوتان حاليا ومن ثم محاولاتهما قلب الطاولة على الجميع في الوقت المناسب ليست الاستراتيجية الإسرائيلية منفصلة عن صراع الاستراتيجيات والرؤى هذه وقد تكون نظرا إلى ظروف موازين القوى الراهنة في المشرق العربي من أهم الاستراتيجيات التي يجب أن ندرسها بالتفصيل ونحلل تفاصيلها لما تحتويه من أهمية لبقائنا ومستقبلنا من هذا المنطلق سنحاول أن نقدم ملخصا عن أبرز الدراسات الأمنية الإسرائيلية التي حاولت أن تقدم رؤى استراتيجية تتعلق بالجنوب السوري الجنوب السوري والمعضلة الاستراتيجية في إحدى دراسات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS طرح سؤال جوهري يتعلق باستراتيجية إسرائيل في الجنوب السوري مفاده من يتوجب على إسرائيل أن تدعمه هل تدعم حكومة أحمد الشرع لتفرض هيمنتها في الجنوب السوري أم تدعم الدروز الذين يشعرون بتهديد وجودي بعد المجازر المروعة التي ارتكبت في السويداء تتجسد المعضلة هنا في أن دعم كلا الطرفين يحقق مكاسب استراتيجية من وجهة النظر الإسرائيلية إذ إن دعم الدروز المهددين وجوديا والباحثين عن الحماية من أي طرف كان يعتبر ذريعة لتدخل إسرائيل تنسجم تماما مع تسويق إسرائيل نفسها على أنها قوة تحمي الأقليات في الشرق الأوسط عموما ومن جهة أخرى فإن دعم حكومة مركزية قوية معادية جذريا للتوسع الإيراني وحزب الله أمر حيوي للمصالح الإسرائيلية لم يحسم الجدل الأمني في إسرائيل بعد لصالح أي طرف سيكون التدخل الحاسم حسب هذه الرؤية إذ تبدو إسرائيل ضمن هذه الرؤية أقرب للراعي الذي يسمن جميع الأبقار تمهيدا لذبحها معا بعد تسمينها معضلة التدخل المفرط والتقاعس المفرط في دراسة أعدها البروفيسور بواز غانور رئيس جامعة رايخمان مع ثمانية باحثين آخرين أشير إلى أن التدخل الإسرائيلي المفرط في الجنوب السوري تحت ذريعة حماية الدروز قد تكون له عواقب وخيمة إذ قد يوقع إسرائيل في حرب استنزاف استعداء تركيا وخسارة ما يكمن أن تقدمه الدبلوماسية الترامبية من الاتفاقيات الإبراهيمية وغيرها الدولة الفاشلة بتعريف مختصر هي الدولة التي تفقد قدرتها على فرض سلطتها على أراضيها وتعجز عن تأمين الخدمات الأساسية وحماية مواطنيها ما يؤدي إلى تفكك مؤسساتها وتحولها إلى ساحة نفوذ لقوى داخلية وخارجية وفي الوقت ذاته فإن التقاعس المفرط عن دعم الدروز في جنوب سورية سيسبب أزمة بين الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الدرزي الداخلي في إسرائيل وقد يقود إلى تركز الإرهاب حسب مفاهيم هذه الرؤية على الحدود الشمالية الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور حماس أو حزب الله جديدين في الجنوب السوري وفي ظل صراع المصالح الدولي فإن قوى دولية وإقليمية أخرى مثل تركيا قد تجد في هذا السيناريو أمرا مهما وورقة ضغط تستخدمها ضد إسرائيل إن الخيار الإسرائيلي الأمثل الآن في الجنوب السوري حسب هذه الرؤية اعتماد سياسة حذرة لا تصل إلى حد التدخل المفرط ولا التقاعس المفرط ويجب أن ترسم على أعمدة جوهرية منها 1 nbsp nbsp nbsp المساعدات الإنسانية الخاضعة للرقابة زيادة شحنات الأدوية والأغذية المرسلة إلى دروز السويداء لكن من خلال الآليات الدولية الهلال الأحمر الأمم المتحدة 2 nbsp nbsp nbsp العمل العسكري المحدود تجنب إدخال قوات برية مع التركيز على توجيه ضربات جوية دقيقة فقط 3 nbsp nbsp nbsp التدابير الدبلوماسية الحفاظ على التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن والحفاظ على قناة حوار سرية مع تركيا لتجنب المواجهة المباشرة والعزلة الإقليمية 4 nbsp nbsp nbsp حملة إعلامية لفضح المجازر التي ارتكبت في السويداء واستخدامها للضغط على حكومة الشرع 5 nbsp nbsp nbsp إدارة التوقعات مع الدروز في إسرائيل إنشاء غرفة قيادة مشتركة مع قيادة المجتمع الدرزي والسماح بالاحتجاج المشروع ولكن يجب وضع خطوط حمراء ضد محاولات العمل المستقل عبر الحدود 6 nbsp nbsp nbsp الحذر في ما يتعلق بمشاريع الحكم الذاتي في السويداء إذ لا ينبغي على إسرائيل قيادة مثل هذه المبادرات مجانا 7 nbsp nbsp nbsp توريط إسرائيل الحذر من أن يكون الجنوب السوري فخا لتوريط إسرائيل من قبل قوى إقليمية أخرى تركيا مثلا السيناريوهات الثلاثة لتطور الأزمة في سورية ضمن دراسة مفصلة أعدها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لعامي 2025 و2026 حددت ثلاث سيناريوهات ممكنة لتطور سورية بعد سقوط الأسد في ظل حكم أحمد الشرع الانتقالي هي 1 nbsp nbsp nbsp السيناريو الأول الاستقرار والاعتدال حكومة مركزية مستقرة تابعة للغرب بقيادة الشرع بعد أن ينفذ المطالب الأميركية والإسرائيلية وسيلة لبقائه في السلطة 2 nbsp nbsp nbsp السينارثو الثاني هيمنة الإسلام السياسي في حال عدم خروج الشرع من عباءة الجولاني وعدم قدرته على ضبط سلوكيات الحركات الإسلامية الجهادية ما يهدد أمن إسرائيل وقد يؤدي إلى نشوء حماس جديدة في الجولان بدعم تركي قطري الأردن ودول الخليج ستكون مهددة أيضا بهذا السيناريو 3 nbsp nbsp nbsp السينارثو الثالث الاتحاد المجزأ إذ يمكن بروز أربع مناطق حكم شبه ذاتي كردية سنية علوية درزية حورانية مع وجود حكومة مركزية ضعيفة تحافظ على توازن هش للردع مع حدوث أعمال عنف متفرقة بين فترة وأخرى أمام هذه السيناريوهات الثلاث يجب على إسرائيل اتخاذ تدابير مضادة تراعي تطور وتحقق أي من السيناريوهات سالفة الذكر تقوم على 1 nbsp nbsp nbsp يجب أن تعطي إسرائيل الأولوية لمنع سيناريو التطرف الإسلامي مع دعم السيناريوهين الآخرين معا 2 nbsp nbsp nbsp منع التهديدات الأمنية على حدود إسرائيل عبر السيطرة على منطقة أمنية عازلة وتنفيذ ضربات عسكرية والتركيز على منع عودة النفوذ الإيراني ومنع وصول عدم الاستقرار إلى الأردن 3 nbsp nbsp nbsp التواصل مع الأطراف المحلية دروز وأكراد وعلويين وسنة معتدلين مع التركيز على عدم التورط العسكري المباشر وذلك عبر التنسيق الدبلوماسي مع الحلفاء مثل الولايات المتحدة واعتماد دبلوماسية حذرة لمنع تفاقم الصراع مع تركيا 4 nbsp nbsp nbsp عدم إغلاق باب الدبلوماسية برعاية أميركية لأنها قد تساهم بالوصول الى اتفاقيات أمنية تساهم بدورها في تخفيف حدة التهديدات وتحفاظ على السيادة الإسرائيلية على الجولان وتساهم في إنشاء منطقة عازلة أمنية فعالة في الجنوب السوري في حين أن السيناريو الثاني هيمنة الإسلام السياسي سيعني دخول إسرائيل في حالة حرب في سورية أما السيناريوهان الآخران فيمكن أن يساهم دعم تطورهما معا في تحقيق المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية سيناريو الاتحاد المجزأ الدولة الفاشلة الدولة الفاشلة بتعريف مختصر هي الدولة التي تفقد قدرتها على فرض سلطتها على أراضيها وتعجز عن تأمين الخدمات الأساسية وحماية مواطنيها ما يؤدي إلى تفكك مؤسساتها وتحولها إلى ساحة نفوذ لقوى داخلية وخارجية ضمن استراتيجية الدولة الفاشلة تسعى إسرائيل إلى تعزيز حكم سوري لا ديمقراطي محاولة من خلال ذلك الوصول إلى ثلاث أهداف استراتيجية واضحة وهي 1 nbsp nbsp nbsp منع أي قوات سورية من التواجد في جنوب دمشق 2 nbsp nbsp nbsp تهديد الأقليات استغلال تأجج الصراع الطائفي لخلق أحداث أمنية تضعف الدولة السورية وتسمح لإسرائيل بالتدخل تحت ذرائع حماية الأقليات الدينية 3 nbsp nbsp nbsp البقاء في المناطق التي احتلتها لأجل غير مسمى بذرائع أمنية بحجة فشل الدولة السورية في تحمل مسؤولياتها الأمنية تبدو إسرائيل ضمن هذه الرؤية أقرب للراعي الذي يسمن جميع الأبقار تمهيدا لذبحها معا بعد تسمينها ضمن هذه السياق كانت عملية سهم باشان التي شاركت فيها 350 طائرة مقاتلة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي وضربت أكثر من 300 هدف عسكري استراتيجي في مختلف أنحاء سورية بما في ذلك العاصمة دمشق وحتى السويداء وأدت إلى تدمير أكثر من 70 من القوة العسكرية السورية ليس بسبب الخوف من استخدام هذا السلاح ضد إسرائيل وإمكانية وصوله إلى جهاديين معاديين لإسرائيل كما روجت وسائل إعلامها بل لمنع إمكانية نشوء دولة سورية قوية قادرة على ضبط الأمن في المستقبل فتدمير إمكانيات الجيش المادية سيخلق فسيفساء الفوضى أي دولة سورية ضعيفة وهشة ولو كان هدف إسرائيل في الجنوب السوري دعم الدروز حقا لما قصفت إسرائيل مخازن السلاح السوري في السويداء ولتركت الأسلحة الثقيلة والصواريخ تقع في حوزة الميليشات الدرزية لتدافع عن نفسها هذه الاستراتيجية ليست جديدة إذ تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي تحت ما يعرف باستراتيجية عوديد ينون الذي يرى بأن الدول العربية الموحدة ليست إلا تجمعات بقوة قسرية يسهل تفكيكها وتجزئتها عبر خلق كيانات طائفية وعرقية وحسبه فإن استراتيجية التفتيت هي الهاجس الأساسي للاستراتيجية الإسرائيلية في الجبهة الشرقية خصوصا سورية والعراق سيناريو الاستقرار والاعتدال دولة مركزية تابعة للغرب يؤكد الباحث كوبي مايكل في المركز الإسرائيلي للاستراتيجية الكبرى ICGS بأن سيناريو نجاح الشرع في إقامة الدولة المركزية القوية التابعة تحت المظلة الأميركية سيحمل إيجابيات لأمن إسرائيل إذ سيتيح هذا الخيار إبرام اتفاقيات أمنية تضمن هيمنة إسرائيل في الجولان والجنوب السوري عموما وسيفتح الأبواب للتعاون في مجالات الطاقة والمياه والبنية التحتية وربما لاحقا إلى التطبيع وانضمام سورية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية تماشيا مع رؤية الرئيس ترامب الراهنة وهذا لا يخدم المصالح الأمنية فحسب المتمثلة في إخراج إيران من سورية ومحاربة حزب الله ومنع أي نشاط فلسطيني من الأراضي السورية بل يخدم أيضا مصلحة دمج إسرائيل في المنطقة من هنا يجب على إسرائيل اعتماد سياسة عدم تمزيق النسيج بمعنى أن تناور وتدير الزوايا لعدم قطع التواصل مع حكومة الشرع والحرص بدقة ألا تؤدي الضربات العسكرية ضده إلى إضعافه التام ختاما يتضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية في الجنوب السوري ليست مجرد مقاربة أمنية بل مشروع طويل الأمد يسعى إلى تكريس منطق الدولة الفاشلة وخيار التبعية ضمن مشهد إقليمي مضطرب فبين سيناريوهات التقسيم وإعادة إنتاج سلطات محلية تابعة تعمل إسرائيل على إدارة الصراع لا حله بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في تثبيت التفوق والهيمنة الإقليمية غير أن هذه الاستراتيجية مهما بدت محكمة ليست قدرا محتوما إذ أثبت التاريخ أن الشعوب قادرة على قلب المعادلات عندما تمتلك الوعي والقدرة على التنظيم يتمثل التحدي الحقيقي اليوم أمام السوريين في استعادة المبادرة الوطنية وإحياء شعارات التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية التي شكلت جوهر الحراك الشعبي عام 2011 إن مواجهة مشاريع التفتيت والتبعية لا تكون بالسلاح وحده بل ببناء وعي جمعي ومؤسسات وطنية مستقلة ترفض الاصطفاف ضمن محاور الهيمنة وتؤمن بأن وحدة الأرض والشعب هي شرط أي نهوض ممكن بهذا المعنى تبقى الكلمة الفصل للسوريين أنفسهم في قدرتهم على تحويل أرض الجنوب من ساحة صراع إقليمي إلى فضاء لمشروع وطني تحرري جديد