الدولة العميقة وإشكالية الانتقال السياسي
يُستخدم مفهوم الدولة العميقة للإشارة إلى شبكة من المؤسسات والنخب غير المُنتخبة، تضم أجهزة أمنية، ومصالح اقتصادية مُتجذّرة، تتقاطع مصالحها حول الحفاظ على منطق السلطة القائم. ولا تعني الدولة العميقة وجود دولة موازية بالمعنى الحرفي، بل نمطًا من اشتغال الدولة حين تنفصل مؤسساتها عن الرقابة الديمقراطية، وتتحوّل من أدوات لخدمة المجال العام إلى حوامل لمصالح خاصة.
تظهر هذه الإشكالية بوضوح في لحظات الانتقال السياسي، حين تُجبر النظم السلطوية، تحت ضغط اجتماعي أو سياسي، على تقديم تنازلات شكلية. ففي كثير من الحالات، يُسمح بتغيير محدود في النخب السياسية أو في القواعد الدستورية، من دون المساس بالبنية العميقة للقرار. وهكذا يتحوّل الانتقال من عملية لإعادة توزيع السلطة إلى إدارة محسوبة للتغيير، تهدف إلى احتواء المطالب الشعبية لا الاستجابة لها.
لا يعني ذلك أنّ الدولة العميقة تعمل دائمًا بمنطق المؤامرة أو ككتلة صلبة لا تتغيّر. ففي بعض السياقات، تؤدي البيروقراطية دورًا استقراريًا يمنع انهيار الدولة في فترات الاضطراب. غير أنّ هذا الدور يصبح إشكاليًا حين يُستخدم الاستقرار بوصفه قيمة مطلقة، تُقدَّم على حساب الإصلاح والمساءلة، وحين تُختزل السياسة في الحفاظ على النظام، لا في تمثيل المجتمع.
تكشف تجارب الانتقال السياسي أنّ الصدام الشامل مع مؤسسات الدولة العميقة قد يقود إلى انسداد أو فوضى، كذلك فإنّ التكيّف الكامل معها يُفضي غالبًا إلى تفريغ العملية السياسية من مضمونها. ويكمن التحدي الحقيقي في مسار ثالث، يقوم على إصلاح مؤسسي تدريجي، يُعيد إخضاع مراكز النفوذ للقانون، ويرسّخ الفصل بين الدولة باعتبارها إطارًا عامًا، والنظام بوصفه سلطة سياسية قابلة للتغيير.
لا تكمن قوّة الدولة العميقة في قدرتها على تعطيل التغيير فحسب، بل في قدرتها على إعادة تعريف الممكن سياسيا، وضبط سقف المطالب
في السياق العربي، تتخذ هذه الإشكالية طابعًا أكثر تعقيدًا، بفعل تاريخ طويل من تماهي الدولة مع النظام الحاكم، وهيمنة المقاربة الأمنية على المجال السياسي. وقد أفضى ذلك إلى دول قوية بأجهزتها، ضعيفة بشرعيتها، ما جعل أيّ محاولة للتغيير تصطدم بحدود غير مرئية ترسمها البنية العميقة للسلطة،
ارسال الخبر الى: