غزة بين الدمار والاعتياد صمود يتحول إلى قبول قسري للمعاناة
48 مشاهدة
لم يعد الخطر الحقيقي في غزة محصورا في مشهد الدمار ذاته بل في التحول البطيء الذي جعل هذا الدمار جزءا مألوفا من تفاصيل الحياة اليومية الركام لم يعد صادما كما كان والخيام البالية لم تعد مؤقتة كما يفترض وحفر الصرف الصحي وأكوام القمامة باتت عناصر ثابتة في المشهد العام ومع مرور الوقت يتسلل الاعتياد إلى النفوس فيطمس الإحساس بعمق الكارثة ويحول الاستثنائي إلى عادي nbsp وفي ظل هذا الواقع يعيش الغزيون حالة من التعايش الاضطراري مع بيئة غير مستقرة تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية مع القيود المفروضة على الحركة ويتكرس فيها ما يمكن وصفه بـاقتصاد الحرب خيارا شبه وحيد للبقاء nbsp ومع تصاعد الضغوط الاجتماعية يصبح التكيف ليس خيارا صحيا بل استجابة قسرية لواقع مفروض ومع هشاشة الإدارة وغياب التنظيم الفعال تتفاقم المعاناة وتتعثر جهود التعافي اعتياد المعاناة في غزة يقول الفلسطيني تامر عزيز الذي يقيم في خيمة قرب منطقة الميناء غرب مدينة غزة إن الحياة هناك لم تعد تشبه الحياة التي عرفناها مضيفا نستيقظ على مشهد البحر من جهة في ظل البرد القارس ومن جهة أخرى نرى الخيام الممزقة والركام الممتد في البداية كان المنظر موجعا أما اليوم فأصبح جزءا من يومنا وكأننا اعتدنا أن نعيش وسط الخراب موضحاnbsp لـالعربي الجديد أخطر ما في الأمر أننا بدأنا نتعايش مع كل شيء مع حفر الصرف الصحي القريبة مع القمامة التي تتكدس بسبب ضعف الخدمات مع ضيق المكان وغياب الخصوصية أصبح همنا اليومي تأمين الماء والطعام ولم نعد نفكر كثيرا في شكل الحياة التي نستحقها هذا الاعتياد يجعلنا نشعر أحيانا أننا عالقون في دائرة لا تنتهي لافتا إلى أن الوضع المعيشي ما زال مقيدا والعمل شبه معدوم ما يدفع كثيرين إلى البحث عن أي مصدر دخل مرتبط بظروف الحرب صرنا نقبل بالقليل ونعتبره إنجازا لكن في داخلنا نعرف أن هذا ليس استقرارا بل مجرد محاولة للبقاء أما الفلسطينية نداء موسى التي نزحت من شمال غزة وتعيش في خيمة بمنطقة الزوايدة وسط القطاع فتصف حياتهم بأنها سكون هش لا يشبه السلام وتقولnbsp لـالعربي الجديد قد يبدو المكان هادئا أحيانا لكن هذا الهدوء مليء بالقلق نحن لا نشعر بالأمان بل نعيش على انتظار دائم لأي طارئ مضيفة في البداية كنا نعد الأيام على أمل العودة السريعة لكن مع مرور الوقت بدأنا نعتاد الخيمة نرتبها كأنها بيت ونحاول خلق روتين يومي للأطفال هذا الاعتياد ليس راحة بل محاولة نفسية للتخفيف من الصدمة ما نخشاه أن يكبر أطفالنا وهم يظنون أن هذه الحياة طبيعية وأكدت أن الضغوط الاجتماعية ازدادت بفعل الاكتظاظ وقلة الموارد ما يخلق توترا دائما بين العائلات الناس مرهقة وكل شخص يحمل همه فوق طاقته نحاول التكيف لكن التكيف هنا إجباري نحن نتظاهر بالقوة بينما في الداخل هناك تعب وخوف من مستقبل غير واضح في حين عاد الفلسطيني هاني بعلوشة إلى منزله المدمر جزئيا في مخيم جباليا رغم المخاطر المحيطة قائلا رجعت على بيتي لأنه رغم الخراب يبقى أهون من الخيمة أصلحنا غرفة واحدة بالكاد تصلح للسكن وتركنا باقي البيت كما هو وأضاف لـالعربي الجديد القصف المدفعي القريب والرصاص الطائش لم يتوقفا كليا أحيانا أشعر وكأن الحرب لم تغب ليوم واحد لكن الغريب أننا اعتدنا الأصوات لم نعد نقفز مع كل دوي كما في البداية هذا الاعتياد يخيفني أكثر من الصوت نفسه وتابع بعلوشة نعيش بين الركام ونحاول إقناع أنفسنا أن الأمور تحت السيطرة لكن الحقيقة أن هذا ليس تعافيا بل هو تأقلم مؤقت مع واقع غير مستقر والخوف أن نستمر هكذا طويلا فيتحول هذا الوضع إلى أمر طبيعي ونفقد الإحساس بما يجب أن تكون عليه الحياة الكريمة تعايش اضطراري بدورها أكدت الأخصائية النفسية سجود المدهون أن الأوضاع الراهنة في قطاع غزة ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الحالة النفسية والاجتماعية للسكان رغم توقف العمليات العسكرية وقالت المدهون لـالعربي الجديد إن آلاف العائلات ما زالت تعيش في خيام أو داخل منازل مدمرة في ظل ظروف معيشية صعبة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار والأمان nbsp وأوضحت أن ما يشهده القطاع حاليا يمكن وصفه بـتعايش اضطراري إذ تتركز التجمعات السكانية في مناطق الجنوب والوسط ومدينة غزة ضمن بيئة غير مستقرة اقتصاديا واجتماعيا مشيرة إلى أن هذا الاستقرار الظاهري لا يعكس تعافيا نفسيا حقيقيا بل يمثل محاولة للتأقلم مع واقع مفروض بفعل الظروف القائمة وفي السياق ذاته فرقت المدهون بين مفهومي الاعتياد والتكيف موضحة أن كثيرا من السكان اعتادوا نمط الحياة في الخيام وتلقي المساعدات والبحث اليومي عن سبل العيش إلا أن هذا لا يعني تحقق التكيف النفسي السليم nbsp وأكدت أن التكيف الحالي هو إجباري يخفي وراءه صراعات داخلية وضغوطا نفسية متراكمة تؤثر في العلاقات الأسرية والاجتماعية ولفتت إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وغياب فرص العمل إلى جانب صعوبة التنقل بين المناطق أسهمت في بروز ظواهر اجتماعية مقلقة من بينها التفكك الأسري وازدياد النزاعات والعنف مشيرةnbsp إلى أن استمرار الإقامة في الخيام بما تفتقر إليه من خصوصية وشروط صحية مناسبة يزيد من حدة التوتر والقلق ما ينذر بتداعيات نفسية واجتماعية طويلة الأمد إذا لم تتوفر بيئة أكثر استقرارا ودعما نفسيا ومجتمعيا وبين ركام البيوت وهشاشة التنظيم وضيق سبل العيش تتراكم آثار نفسية واجتماعية عميقة تحتاج إلى تدخل جاد ومنظم يعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية ويحول الصمود من حالة قبول قسري إلى فعل استعادة الحياة