وباء الخلود وصراع الذاكرة الرائي رحلة دامو السومري لضياء جبيلي
66 مشاهدة
تعيد رواية الرائي رحلة دامو السومري دار رشم للنشر والتوزيع 2025 لـ ضياء جبيلي تركيب العلاقة بين التاريخ والأسطورة من باب صوت السارد دامو بن النساخ لاهار المنحدر من شعب ذوي الرؤوس السود ابن مدينة أوروك على ضفة نهر الفرات وأحد كتبة الإمبراطورية الآشورية الملك آشور بانيبال في نينوى العابر للأزمنة والجغرافيات واللغات والأديان والثقافات حيث تتخذ هويته المفتوحة شكلا ثقافيا مؤسسا على فعل النسخ والتدوين وتتحول الكتابة عبر أسفار الرواية من سفر الطين إلى سفر مايكروسوفت مرورا بسفر البرشمان وسفر البردي وسفر الكاغد وسفر رمنجتون إلى أداة للترقي الحضاري داخل بنية ثقافية ترى في حفظ النصوص وتدوينها عبر الأزمنة فعلا من أفعال السلطة في هذه الرواية التي ترشحت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية استعمل ضياء جبيلي ملحمة جلجامش بألواحها الاثني عشر بوصفها خلفية مركزية يتشكل عبرها وعي السارد الذي انخرط منذ طفولته رفقة شقيقه دودو البطل الذي التهمه النهر في تمثيل لعبي للبحث عن العشبة المخلدة للروح والنفس والجسد التي طالما لاحقها جلجامش ما يكشف عن انتقال الأسطورة من فضاء الحكي إلى فضاء الممارسة اليومية إذ يعاد إنتاجها في أشكال حية داخل الذاكرة الفردية ذاكرة دامو ومن هنا يتحول الخلود إلى تجربة ملموسة ذات ثقل يومي متواصل محمولة على كاهل كائن يتورط دون إرادته في الزمن إلى حد التماهي معه وهو ما يفتح سؤالا حول طبيعة النصوص القديمة ألواح الملوك والكهنة والحكام ومن يملك سلطة تثبيتها وهل الكاتب هو من يدون الحكايات أم من يجمعها أم من يحررها يتبدى التاريخ بوصفه دائرة مفتوحة تعيد إنتاج نفسها عبر الأزمنة يأخذ الخلود في الرواية معنى مغايرا إذ يتحول من حلم أسطوري أو من حكاية مشكوك في صحتها إلى حالة وجودية معقدة إذ تبدأ الحكاية مع حادثة الصقر زو الذي يلتقط الأفعى السارقة لعشبة الخلود ويلقيها في باحة بيت لاهار فتلدغ دامو ذا الثمانية عشر عاما أثناء نومه لتبدأ رحلة تتسع عبر قرون طويلة تتراكم فيها التجارب وتتكثف داخل ذاكرة مثقلة بصور العنف والموت ذلك أن اكتشاف السر يبدأ من نجاة السارد من لدغة الأفعى ثم من الطاعون أي من لحظة موت الأب في سياق صراع الملك سرخون الأكدي مع لوغال زاغيري ثم موت الأم ماميتو والأخوال والخالات والأختين نازي وناناي وهلاك كهان معبد آي أنا عن آخرهم ومعهم ساكنة أوروك الذين أبيدوا جميعهم تأثرا بالوباء العالق في الجثث المتعفنة التي رماها عليهم الملك الغازي وتتوالى الأحداث في مسار يكشف عن هشاشة الوجود الإنساني داخل دوامات التاريخ إذ تتكرر أنماط العنف والصراع وتعاد الحكايات المؤسسة في أشكال متعددة فيتبدى بذلك التاريخ بوصفه دائرة مفتوحة تعيد إنتاج نفسها عبر الأزمنة ما يحول الخلود إلى عبء معرفي لا يمنح الخلاص بقدر ما يكشف عن استمرارية الخراب والمآسي يزداد هذا العبء إفراطا حينما يعي السارد عدم قدرته على الانفلات من وباء الخلود ذلك أنه ومع كل تجربة جديدة تنضم طبقة إضافية إلى هذا المخزون فتتشابك الصور وتتقاطع الأزمنة ويصبح الحاضر مشبعا بالماضي إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما يحدث الآن وما حدث من قبل بل إن تقاطع مسار دامو مع مسار شوسن الطبيب والكاهن السومري بوصفه قرينا سرديا يعكس بعدا ثقافيا مركبا إذ يظهر في هيئات متعددة لرجل دين عبر الأزمنة من كاهن وثني إلى حاخام إلى راهب في تجسيد لتحولات السلطة الرمزية داخل المجتمعات إذ يحمل هذا الحضور دلالة عميقة تتصل باستمرارية الخطاب الديني وقدرته على التكيف مع التحولات ويطرح في الآن ذاته سؤال الخلود بوصفه تجربة تتجاوز الفرد لتلامس بنية الوجود البشري يتحول الصراع بين دامو وشوسن الذي كان يعتقد السارد أنه الخال لو إنانا إلى مواجهة حول المعنى والذاكرة وتتجسد هذه المواجهة في مشهد تدمير الألواح الطينية الجسد الآخر الأهم إذ تتحطم أسفار الطين تحت ضربات المطرقة في فعل رمزي يعكس محاولة محو الذاكرة وتفكيك السرد الذي يشكل أساس الوجود الثقافي ذلك أن شوسن الذي طالما زرع الفخاخ في طريق دامو اهتدى في آخر الرواية إلى أن تحطيم الألواح الطينية هو وسيط الانتقام من الغريم الذي يمثله الخلود وليس دامو خاصة أن تلك الألواح هي المجال الحصين لصياغة الحكاية بوصفها أثرا يقاوم التلاشي ما يعني أن تدمير الأثر القديم محاولة لإعادة العالم إلى حالة الصمت تدمير الأثر القديم هو محاولة لإعادة العالم إلى حالة الصمت يتغذى الهروب الذي يطبع مسار دامو وأيضا مسار شوسن من هذا الوضع المركب ذلك أن الحركة المستمرة عبر الجغرافيا تحمل في عمقها محاولة لتخفيف ثقل الزمن كأن الانتقال يتيح توزيع الذاكرة على الأمكنة غير أن هذا التخفيف يظل مؤقتا لأن الذاكرة تنتقل مع حاملها وتعيد إنتاج نفسها في كل موقع كما أن الملاحقات التي يتعرض لها دامو تضيف طبقة أخرى من التوتر فتتحول شخصيته إلى محور رغبة لدى قوى مختلفة تسعى إلى الإمساك بسر الخلود الملوك يظهرون بوصفهم تجسيدا لقلق السلطة إزاء الفناء ورجال الدين يعبرون عن سعي الخطاب الرمزي إلى احتواء هذا السر داخل منظوماته في حين تتخذ المعرفة طابعا إجرائيا مع شخصيات مثل شوسن الذي يرى في جسد دامو موضوعا قابلا للفحص والتفكيك بل للفناء إذا جرى تقطيعه إلى أجزاء صغيرة متناثرة تكتسب شخصية شوسن أهمية خاصة داخل البناء الروائي إذ تتنقل عبر الأزمنة في هيئات متعددة محتفظة بجوهر واحد يتمثل في القدرة على إعادة تشكيل الخطاب بما يتلاءم مع السياق ما يشي بحيوية السلطة الرمزية الدينية التي تجد في التحول وسيلة للبقاء وتعيد إنتاج نفسها داخل صيغ دينية وثقافية مختلفة ذلك أن حضور شوسن داخل مسار السارد في كل الحقب والجغرافيات يمنح الصراع بعدا عميقا إذ يتخذ شكل مواجهة بين إرادتين إرادة تحفظ الأثر وتمنحه امتدادا عبر وسائط الكتابة المتعددة دامو وإرادة تسعى إلى التحكم في هذا الأثر وتوجيهه ثم تحطيمه شوسن وبين هذا وذاك هناك محاولات لإيجاد نقطة استقرار داخل حركة لا تهدأ بين الأزمنة والأمكنة والدال على ذلك ظلال الحب التي تجثم ثم تتبدد بفعل الهروب الواجب إذ تحمل علاقات دامو بنساء مثل نارسينيا أو راحيل أو گولي أو القهرمانة إمكانية الانتماء غير أنها تنفتح على هشاشة واضحة لأن الفارق في الزمن يخلق فجوة يصعب ردمها ذلك أن الحب يكتسب طابعا مؤقتا يرتبط بلحظة شهوانية مكثفة سرعان ما تتلاشى أمام تعذر الاحتفاظ بعلاقة ثابتة داخل زمن مفتوح تتراكم داخله المدن من أوروك حتى فاس والوجوه واللغات والثورات ثورة الزنج والحروب والأسماء ولا يقبض على ذلك إلا عبر التدوين هذا الفعل الذي يجري تعميق الوعي به عبر الاشتغال الميتاسردي الواضح في الرواية يظهر البعد الميتاسردي على سبيل المثال في تأمل شوسن لفكرة الوجود بوصفه فيلما طويلا أو رواية ممتدة يكتبها كائن مهووس إذ يطرح سؤال النهاية داخل الحكاية بوصفه مفارقة مركزية داخل كل سرد هل توجد نهاية بالفعل ويتسع هذا الأفق الميتاسردي حين تتداخل التقنية الحديثة مع فعل الكتابة فتنتقل الحكاية من الطين الألواح إلى الوسائط الرقمية الحاسوب ما يفتح مجالا واسعا لتأمل علاقة الإنسان بالتقنية ويكشف عن استمرار الرغبة في تثبيت الأثر داخل مواد مختلفة حيث تتجاور الأزمنة وتتداخل الأصوات ويتحول السرد إلى مرآة تعكس قلق الإنسان وهو يواجه امتدادا لا ينتهي وحكاية تواصل انبثاقها داخل ذاكرة ممتدة من الألواح إلى ميكروسوفت كاتب مغربي