بين الخطاب والممارسة
رغم الخطاب الوطني الذي يتبنّاه الصف الأول من الحكومة السورية، والذي يرسم خريطة طريق لدولة مواطنة حقيقية، سواء لناحية منح جميع المكونات السورية حقوقهم الثقافية والاجتماعية، أو لناحية المساواة بين جميع المواطنين تحت سقف القانون، وصون حرية التعبير للجميع، والسماح لوسائل الإعلام العمل بحرية، والحديث عن استقطاب الكفاءات بهدف بناء دولة مزدهرة تستقطب الاستثمارات ويسودها العدل والحرية تماهياً مع أهداف الثورة السورية، فإن ممارسات الكثير من مسؤولي الحكومة، خصوصاً مسؤولي الصف الثاني وما دون، تعمل بعكس الخطاب الحكومي.
على مستوى التوظيف، لا يزال الولاء هو الفيصل في اختيار الموظفين، خصوصاً للوظائف في مواقع ذات بعض الحساسية أو الأهمية. ورغم إعطاء الحكومة السورية بموجب اتفاق الحق لـقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بإدارة شؤون المناطق التي توجد فيها تلك القوات في محافظتي الحسكة وحلب، فإنّها سلمت إدارة المناطق الأخرى التي انسحبت منها قسد في الرقة ودير الزور، لأشخاص من خارج تلك المحافظات. ولم تثق حتى بتسليم شؤون المجالس المحلية لأبناء المنطقة الذين كانوا ينتظرون خلاصهم من قسد وانضمامهم للدولة السورية.
وعلى مستوى حرية التعبير فقد حصلت فعلاً نقلة في حرية التعبير والسماح لوسائل الإعلام المختلفة بالدخول إلى سورية، وهذا أمر بديهي كون أساس الثورة السورية قام على مطلب الحرية. إلا أن هناك العديد من العقبات التي تعترض هذه الحرية، لعل أبرزها صعوبة الحصول على المعلومة من الجهات الحكومية، وطريقة التجاوب مع وسائل الإعلام التي تتم بحسب تقييمات ترتب وسائل الإعلام بحسب ولائها للسلطة. وربما الأخطر من كل ما سبق هي العقلية التي يتعاطى من خلالها بعض المسؤولين الحكوميين الذين يتعاملون مع هامش الحرية المعطى وكأنه تنازل من السلطة يستوجب الشكر والامتنان. ينذر ذلك بتقلص هذه الحريات مع الوقت في حال استمرار هذه العقلية في التعاطي.
هذا التباين بين الخطاب الحكومي العام، وتطبيقه فعلياً في الواقع، يشير إلى أحد احتمالين، الأول هو جهل المعنيين بتطبيق الخطاب الحكومي عملياً وعدم قدرتهم فعلياً على الانتقال إلى عقلية الدولة، وبالتالي عملهم ضد مصلحة الحكومة والدولة، ومساهمتهم في
ارسال الخبر الى: