من الخرطوم سلام ومن أم درمان تحية
تُبنى الأوطان بسواعد شبابها، لا بغيرهم؛ فحيثما غاب الشباب غابت القوة، وانكمشت إرادة الحياة. وما من بلدٍ ضعُف إلا وكان شبابه خارج خريطته، جسداً أو روحاً. فالشباب هم طاقة البناء والتجديد، وهم وحدهم القادرون على أن ينهضوا بما تهدّم، إذا ما أُتيح لهم الأمل والدعم والبيئة التي تليق بعزيمتهم.
دخلت الخرطوم بعد الحرب دون إنذار، فوجدت لياليها التي كانت تضيء النيل خافتةً، بل غارقةً في الظلام. المدينة التي عُرفت بأضوائها المهرجانية، وبنيلها الذي كان يلمع كالمرآة، باتت لوحةً قاتمة، كأن الرسام الإسباني السوداوي فرانسيسكو غويا رسمها بعدما أطفأ ألوان بيكاسو الزاهية على ضفاف مقرن النيلين. ظلام دامس بلا كهرباء، بلا حياة. أعلم أن حكومة الولاية تجتهد في إعادة الإضاءة إلى شوارع العاصمة المثلثة: الخرطوم، بحري، وأم درمان، لكن أثر الحرب اللعينة لا يُمحى في يوم أو ليلة؛ فالمعالجة تحتاج وقتاً وصبراً وموارد.
في الليل، وأنت تعبر جسر الفتيحاب الرابط بين أم درمان والخرطوم، تبدو المدينة كمن استيقظ للتو من غيبوبة طويلة. بعض الأضواء تلوح هنا وهناك، وشارع الأربعين الشهير يستعيد شيئاً من نبضه القديم. مطاعم بانت الشعبية تستقبل زبائنها مجدداً، وأصوات الحياة تعود خافتةً في البدء، ثم أكثر ثقة شيئاً فشيئاً. نعم، ثمة حياة في أم درمان، حياة تشعّ بنور الأمل نحو أفق الأمان المستدام.
ما أصاب أم درمان والخرطوم وبحري من دمار يتجاوز الخيال، ومع ذلك يظل الأمل حاضراً. فبهمّة الشباب يمكن أن يتحقق المستحيل، شرط ألّا يفقدوا ثقتهم بوطنهم
غير أن أم درمان ليست فقط شوارع الثورة، ولا أحياء طرقها الرئيسية؛ الوادي، والنص، والشنقيطي. إنها أكبر من أن تُختزل في محلية واحدة، وإن كانت كرري قد وقفت سدّاً منيعاً في وجه الغزو الجنجويدي التتري. وما أصاب أم درمان والخرطوم وبحري من دمار يتجاوز الخيال، ومع ذلك يظل الأمل حاضراً. فبهمّة الشباب يمكن أن يتحقق المستحيل، شرط ألّا يفقدوا ثقتهم بوطنهم.
المؤسف أن كثيرين من هؤلاء الشباب بدأوا بالعزوف عن البقاء، وهاجرت طاقات ثمينة، كما كان يحدث قبل الحرب،
ارسال الخبر الى: