الخراب
أينما يمّمت وجهك تراه. في مربّعات الشاشات التي تتزاحم على البثّ من أماكن مختلفة، تنقلها كاميرات مُثبّتة أو متنقّلة على أمكنة وبلدان مختلفة تطاولها الحرب. مدن متنوّعة الأسماء والتاريخ وأرياف لم تسمع بها قط، يجمعها مشهد واحد هو مشهد الخراب. خراب في كلّ مكان، تصلنا صوره بالأسود والأبيض مع أنّها بالأصل ملوّنة لأنّه لون الباطون القتيل. المباني منسوفة من أساساتها ومُكوّمة فوق أنقاضها، والأسفلت مبقور البطن تخرج منه قضبان الحديد كما تخرج العظام من أشلاء الأجساد المُتناثرة. وفي محيط القصف، يغطي غبار الأسمنت ما خلّفه القصف الصاروخي المُتبادل بطبقة كثيفة من تصبّغ المشهد في كلّ مربّع صغير من مربّعات شاشات البثّ المباشر، فتوحّده على اختلاف أماكنه. للخراب لون موحّد، عسكري، مقطّب الجبين، لون الكراهية والغضب، لون الغرور الأعمى، لون الاستبداد واحتقار الحياة والبشر وصراخ الانتقام.
قلبك أيضاً تشعر كما لو أنّه مغمور بهذا الغبار. تحاول غسله لتتنفّس قليلاً، فتنغمس في ثرثرة الأيّام العادية مع بعض الأصدقاء، ببعض الضحكات التي ترنّ مُفتعلة، أو كما لو أنّها كانت في غير مكانها. يرين الصمت حول الطاولة، فتشعر بأنّ قلوبهم هم أيضاً مغمورة بغبار الخراب الذي غطى المدينة والعباد والبلاد بأكملها.
تخلو إلى نفسك، تبكي قليلاً لتُخفّف من توتّرك، من بوليميا الأخبار السيئة التي أدمنا عليها، لترفع عن قلبك بعض الثقل، لكن كما لو أنّ الدموع تختلط بهذا الغبار بدلاً من أن تغسله، فيتحوّل وحلاً يثقل صدرك أكثر فأكثر.
إلى أين الهروب والغبار جزيئات تتسلّل إلى رئتيك من كلّ مكان، من الناس، من الشاشات، من أيّ اختلاط، من تصوّرك لما سيأتي، ومن تذكّرك حتى لما مضى.
الابتعاد ربّما؟ حتى التفكير في السفر أصبح ثقيلاً: الخراب يعمّ الإقليم بكامله، لا بل الكوكب. والوحش يفتك بكلّ عمران. تبدو المدن في صورها المنقولة من الميادين كما لو كانت ترتجف فِرقاً، كمحكوم بالإعدام ينتظر التنفيذ ويرتجي عفواً مُفاجئاً كمعجزة سماوية، في حين تبدو السماء لا مبالية، يصحو الطقس أو تتدافع الغيوم، تمطر السماء أو تصحو، تتوالى الفصول والحرب
ارسال الخبر الى: