أزمة الخرائط بين العراق والكويت تطاول الطاقة والموانئ
64 مشاهدة
عادت أزمة الحدود البحرية بين العراق والكويت لتطفو على السطح في فبراير شباط الجاري ليس بوصفها خلافا قانونيا بحتا بل ملفا سياديا اقتصاديا يطاول شريان العراق البحري الوحيد تقريبا نحو الخليج ويضغط على حسابات الاستثمار واللوجستيات والطاقة في لحظة يسعى فيها الطرفان لتوسيع موانيهما وتعزيز دورهما التجاري جوهر الخلاف يتمحور حول خور عبد الله الممر المائي الضيق الذي يفصل جنوب العراق عن شمال الكويت ويقود الى موانئ عراقية حيوية مثل أم قصر وخور الزبير وحول ما إذا كان الترتيب الموقع عام 2012 2013 ينظم الملاحة فقط أم يكرس عمليا ترسيما حدوديا ينتقص من سيادة أحد البلدين وهو جدل انفجر مجددا بعد أن أبطلت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قانون التصديق على الاتفاقية عام 2023 ويتصل ذلك أيضا بنقطة فنية يصفها مراقبون بالحساسة وهي المنطقة غير المرسمة بالكامل بعد علامة الأمم المتحدة المعروفة بـالنقطة 162 حيث يخشى كل طرف أن يقيد أي ترسيم مستقبلي قدرة موانئه على العمل بكامل طاقتها حسبما أورد تقرير نشرته مجموعة الأزمات الدولية في 16 يونيو حزيران الماضي وجاء التصعيد الأحدث للنزاع مع إيداع بغداد خرائط وإحداثيات بحرية جديدة لدى الأمم المتحدة في يناير كانون الثاني وفبراير شباط 2026 تقول إنها تتوافق مع اتفاقية قانون البحار بينما اعتبرت الكويت أن بعض ما ورد فيها يمس سيادتها البحرية وفي هذا السياق أعلنت دول الخليج تضامنها مع الكويت إذ أكدت السعودية وقطر والإمارات وعمان والبحرين تضامنها مع الكويت ووقوفها إلى جانبها في مواجهة أي مساس بسيادتها أو مصالحها الوطنية البعدان النفطي والاقتصادي للخرائط بين الإحداثيات يظهر البعدان النفطي والاقتصادي للخرائط فتوسيع نطاق المطالبات البحرية لا يعني فقط خطوطا على خريطة بل ينعكس على توقعات الاستثمار في البنية التحتية البحرية وعلى حقوق محتملة تتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري وما قد يفتحه ذلك لاحقا من شهية لاستكشافات طاقة بحرية أو لتعزيز الموقف التفاوضي في ملفات موارد مشتركة فالخلاف يتقاطع مع مشروعين متنافسين على ضفتي الحدود ميناء الفاو الكبير في العراق وميناء مبارك الكبير في الكويت إذ يرى العديد من الخبراء في الاقتصاد السياسي أن قدرة العراق على تحويل الفاو إلى عقدة ترانزيت ضمن مشروع طريق التنمية ترتبط ليس فقط بتمويل البنية التحتية البرية بل أيضا بحرية وموثوقية النفاذ عبر خور عبد الله في حين تراهن الكويت على أن يصبح ميناء مبارك جزءا من رؤيتها للتحول الى مركز لوجستي إقليمي ومن زاوية المستثمرين العالميين فإن ضبابية قواعد الملاحة والرسوم والمسؤولية القانونية في الممر تعني علاوة مخاطرة أعلى وكلفة تمويل وتأمين أكبر وترددا في الدخول بعقود تشغيل طويلة الأجل ما يحد من إمكانية تحويل الموانئ إلى مصادر دخل غير نفطية مستقرة بحسب تقدير نشره مركز المجلس الأطلسي المعني بالاقتصاد الجيوسياسي في 5 أكتوبر تشرين الأول الماضي ويرجح تقدير مجموعة الأزمات الدولية أن استمرار التوتر في خور عبد الله من شأنه أن يلقي بظلاله على فرص دمج العراق في شبكات الطاقة والنقل الخليجية من ربط شبكات الكهرباء إلى خطوط الغاز وممرات الشحن ويمنح القوى الإقليمية المنافسة مداخل لتعميق الشكوك المتبادلة بين بغداد وجيرانها وتضيف أن هشاشة الترتيبات الحالية تجعل أي حادث ميداني مثل اعتراض سفينة أو خلاف على أعمال تكريك قابلا للتصعيد السياسي والإعلامي خلال ساعات ما ينعكس سلبا في ثقة الأسواق بقدرة البلدين على حماية سلاسل الإمداد الحيوية مخاوف المعادلة الصفرية في السياق يرى تقدير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن تشاتام هاوس نشر في 14 يوليو تموز الماضي أن النزاع إذا ترك لاعتبارات الداخل وحدها فقد يقوض أفق تكامل اقتصادي أوسع في الخليج فكلما استخدم الملف في المزايدات الوطنية داخل العراق لتأكيد خطاب استعادة الحقوق البحرية أو في الكويت لتشديد خطاب عدم التفريط في شبر واحد تقلص هامش القبول بحلول وسط تتيح إدارة مشتركة للممر وتقاسم المنافع التجارية المرتبطة به ويشير باحثو المعهد إلى أن منطق مينائي مقابل مينائك يختزل المنافسة في معادلة صفرية بينما يمكن من الناحية الاقتصادية تصميم أدوار تكاملية بين الفاو ومبارك تستفيد من اختلاف عمق الموانئ وأنماط السلع العابرة وشبكات النقل المتصلة بكل منهما وعن أفق هذا الحل يفيد تقدير خبراء تسوية النزاعات في مجموعة النزاعات الدولية بأن الحل الأقرب يتمثل في حزمة تتضمن إعادة تفعيل اللجان الفنية والقانونية المشتركة وفصل تنظيم الملاحة عن الترسيم النهائي ما أمكن ثم الانتقال إلى ترسيم ما بعد النقطة 162 بما يضمن ممرا صالحا للملاحة ويمنح الكويت والعراق يقينا قانونيا يسمح بتشغيل الموانئ بكفاءة وجذب التمويل وفي حال تعذر التوافق الثنائي يبرز خيار التحكيم أو التقاضي الدولي المتخصص بقانون البحار كمسار لخفض التسييس الداخلي لكنه يظل مكلفا سياسيا للطرفين ما لم يسبق بتفاهمات تهدئ الشارع وتطمئن المستثمرين خور عبد الله في هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي وضاح طه لـالعربي الجديد أن الخلاف البحري بين العراق وجيرانه يعد قضية معقدة تتجاوز مجرد خلاف ثنائي بسيط حيث تعود جذوره العميقة إلى ملابسات عائلية وقانونية محيطة بخور عبد الله ما يستدعي تحليلا دقيقا للخلفيات بدلا من الانشغال بالانحياز إلى الجنسيات مؤكدا أن الحقائق الثابتة في هذا الملف تستند إلى تقارير خبراء دوليين متخصصين في القانون الدولي والمساحة البحرية الذين اعتمدوا على خرائط مودعة لدى الأمم المتحدة منذ عام 1982 لتحديد الحدود التي قبلت سابقا بمشاركة خبراء قانونيين من الولايات المتحدة الأميركية إلا أن تداعيات هذه القضية تمتد لتشمل مصالح إقليمية أوسع حيث تثير الحدود البحرية المحددة للعراق حفيظة السعودية وإيران والكويت لا سيما في ظل وجود حقل الدرة الغازي الذي يشكل بدوره محور نزاع ثلاثي بين الدول الثلاث ما يجعل دخول العراق على الخط بهذه الطريقة عاملا يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة حسبما يرى طه وبما أن الكويت عضو فاعل في مجلس التعاون الخليجي فإن الموقف الكويتي يحظى بتأييد دولي خليجي واسع ما يفرض ضرورة تجنب الأساليب الاستفزازية والمهاترات الإعلامية من جميع الأطراف حسب تعبير طه والعودة إلى طاولة الحوار للتفاهم باعتباره المسار الأمثل الذي يدعى إليه لحل مثل هذه النزاعات التي تتكرر في نحو 30 منطقة في العالم ويخلص طه إلى أن اللجوء إلى الآليات القانونية الدولية والتفاوض المباشر يبقى هو الحل الأنجع لتسوية هذه الخلافات بعيدا عن التصعيد ضمانا لاستقرار المنطقة وحقوق جميع الأطراف في الموارد المشتركة مشددا على ضرورة تغليب لغة الحوار في حل النزاعات الحدودية والبحرية أزمة جديدة لا يحتاجها الخليج من جانبه يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي نهاد إسماعيل لـالعربي الجديد إلى أن العراق يطمح إلى ترسيخ مكانته مركزا لوجستيا ذا أبعاد عالمية ليكون جسرا يربط أوروبا بمنطقة الخليج ومكملا لمبادرة الحزام والطريق الصينية غير أن ظهور أزمة حدودية في توقيت حساس تتصاعد فيه مخاطر صراع بين واشنطن وطهران يثير شكوكا حول وجود افتعال لأزمة إضافية لا يحتاجها الخليج وتزيد من تعقيدات المشهد الإقليمي ورغم أن النزاعات الحدودية البحرية ليست وليدة اللحظة وتمتد جذورها لنحو قرن من الزمان فإن تجدد الأزمة في هذا التوقيت بالذات يعزوه إسماعيل إلى تدخلات إقليمية لا تخدم المصالح المشتركة للعراق والكويت وتهدد مسار التقارب العربي الخليجي المنشود ويبدو من المستغرب لإسماعيل أن يسعى العراق في السنوات الأخيرة لترميم علاقاته مع دول مجلس التعاون الخليجي ثم يدخل في صراع جديد لا تحتاجه المنطقة وفق تقديره خاصة أن العلاقة الكويتية العراقية مرت بمراحل شديدة الصعوبة منذ غزو عام 1990 وبقيت حالة من التوتر والشكوك تلوح في الأفق بالرغم من استئناف العلاقات الدبلوماسية عام 2003 وحول نقطة الخلاف الجوهرية حول منطقة خور عبد الله ينوه إسماعيل بأن النزاع لا يؤثر مباشرة في إنتاج وتصدير النفط ما دام اللجوء للقانون البحري والتحكيم الدولي هو السائد إلا أنه يعرقل مشاريع التطوير المشترك ما يولد تداعيات اقتصادية سلبية للطرفين وعلى ضوء إعلان دول مجلس التعاون الخليجي دعمها للكويت يخلص إسماعيل إلى أن الأمل معقود على أن تقود الوساطات العربية والإقليمية الحل للأزمة والتوصل لاتفاق ينهي هذا النزاع التاريخي ويفتح صفحة جديدة إذ تقتضي المصلحة الاقتصادية العراقية التوصل لحل سريع ونزع فتيل الأزمة قبل تفاقمها لأن المنطقة بغنى عن توترات جديدة بين دول الخليج والعراق مخاوف استنزاف المخزون النفطي يصف الخبير في الاقتصاد السياسي بيار الخوري الخلاف البحري بين العراق والكويت بأنه من أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيدا في منطقة الخليج العربي نظرا إلى تداخله العميق مع اعتبارات السيادة الوطنية والموارد الطبيعية الاستراتيجية مشيرا إلى تمسك الكويت بالشرعية الدولية بينما يرى الجانب العراقي أن هذا الترسيم السابق وفق قرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993 يقيد وصوله للمياه العميقة وتتمحور الإشكالية القانونية الراهنة حول المياه الواقعة بعد العلامة 162 إذ يسعى العراق لضمان ممر ملاحي آمن لموانئه الاستراتيجية كميناء الفاو الكبير في حين تستند الكويت إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS للمطالبة بترسيم يحمي مياهها الإقليمية ومنطقتها الاقتصادية الخالصة مما أدى إلى تجميد مشاريع التطوير المشتركة وفق ما يوضحه الخوري في قراءته للتباين القانوني القائم بين الطرفين وعلى الصعيد الاقتصادي تبرز خطورة الوضع في حقول نفطية بعينها حسب الخوري مشيرا إلى حقل الرتقة الكويتي الممتد من حقل الرميلة العراقي حيث تثير عمليات الاستخراج المتقابلة مخاوف من استنزاف المخزون النفطي للطرف الآخر وتتطلب اتفاقات فنية للإنتاج الموحد لافتا إلى أن غياب ترسيم نهائي يحرم البلدين من استغلال ثروات غازية ونفطية واعدة في المناطق المغمورة قد تغير الخريطة الطاقية للمنطقة وينعكس هذا النزاع سلبا على الاستقرار الإقليمي حسبما يرى الخوري موضحا أن القوى الكبرى كالولايات المتحدة والصين تدرك أن أي توتر في هذه البقعة الحيوية يهدد سلامة إمدادات الطاقة العالمية ورغم محاولات دول الجوار ومجلس التعاون الخليجي لدفع عجلة الحوار فإن التحديات الداخلية وضغوط الرأي العام تجعل تقديم التنازلات أمرا يحتاج إلى شجاعة سياسية وغطاء قانوني دولي متين حسب تعبيره وإزاء ذلك تتعدد خيارات التسوية بين التفاوض المباشر الذي يعترضه غياب الثقة واللجوء إلى التحكيم الدولي عبر محكمة العدل الدولية الذي يتطلب قبولا مسبقا بنتائجه أو الوساطة من طرف ثالث نزيه غير أن المسار الدبلوماسي المدعوم بلجان فنية متخصصة يبقى الأقرب لتحقيق اختراق حقيقي وهو الرأي الذي يرجحه الخوري بوصفه طريقا عمليا لتجاوز جمود المفاوضات ويخلص الخوري إلى أن الحل المستدام يتطلب تبني استراتيجية الربح المشترك بتحويل المنطقة المتنازع عليها إلى منطقة تطوير اقتصادي مشتركة تبدأ بتشكيل هيئة نفطية عليا لإدارة الحقول الحدودية وتوزيع العوائد بنسب عادلة بالتوازي مع استكمال ترسيم الحدود بما يضمن للعراق منفذا حيويا وللكويت أمنها السيادي مشددا على ضرورة الانطلاق من المصالح الاقتصادية بدلا من الانحباس في الأطر السياسية الضيقة لتجاوز إرث الماضي