الحياة وشروطها التعجيزية
يعمد كثيرون من مدرِّبي التنمية البشرية وتطوير الذات، ممَّن يتميّزون بطلاقة اللسان والحضور الجذّاب والقدرة على التأثير، إلى الإفراط في تبسيط الأمور في طروحاتهم وتأمّلاتهم وحلولهم المقترحة لمواجهة أزمات الإنسان المعاصر، باعتبارهم خبراء لا يُشقّ لهم غبار في خبايا النفس البشرية: نقاط قوتها ومواطن ضعفها. وغالباً ما يعبّرون خلال تقديم محتواهم عن افتراض السذاجة وقلّة الخبرة، بل والجهل، لدى جمهورهم من المؤمنين بقدراتهم الفذّة، الذين يدفعون مبالغَ طائلة من أجل الحضور والاشتراك في دوراتهم التحفيزية التي تُعقد عادة في قاعات فنادق فارهة لا يقلّ مستواها عن خمسة نجوم، من باب الغالي حقّه فيه، لعلّهم ينهلون من علم مدرِّبيهم ويصلون في النهاية إلى مبتغاهم من راحة البال وسكون النفس.
يطلّ هؤلاء المدرِّبون على مريديهم المتلهّفين للقائهم بهيئة برّاقة مثل إطلالات نجوم السينما في المهرجانات. يحرصون على اعتلاء خشبة مسرح مزوّدة بالإضاءة اللازمة والمؤثّرات الصوتية ومتطلّبات الظهور المسرحي الباذخ كافّة الكفيلة بإحداث التأثير النفسي المطلوب. يبيعون، من خلال ألفاظهم المنمّقة المنتقاة بعناية، التي تخاطب نقاط ضعف المتلقّي، ويبرعون في توظيف لغة الجسد المتعوب عليها، يبيعون ببراعة التجّار أوهام تحقّق السعادة والنجاح والثراء والتوازن النفسي، معلّبة معدّة مثل وجبات الميكرويف التلفزيونية المجمّدة التي تحتاج إلى بضع دقائق لتصبح جاهزة للأكل، من دون أن يبذل المستهلك أيَّ جهد ذهني أو جسدي يشغله عن متابعة الفيلم أو المباراة.
يحقّق هؤلاء الخبراء الذين يزعمون قدرات خاصّة لتحسين جودة الحياة وتعزيز الثقة بالنفس وتحقيق الأهداف والطموحات ما من شأنه (بحسب طروحاتهم) تغيير الحياة إلى الأفضل، علماً أن كثيرين منهم مجرّد مدّعين يتقنون مهارات التمثيل. وقد حقّقوا الثراء والشهرة على حساب أشخاص يائسين، ضربهم الاكتئاب والحزن، وأفقدهم القدرة على التخطّي وتجاوز المحن وإعطاء أنفسهم الوقت الكافي، والاتكاء على حقيقة مرور الزمن علاجاً فعّالاً كفيلاً بتحريرهم من عبء اللحظة مهما بلغت صعوبتها، والإمساك بزمام حياتهم من جديد.
ولأن بعضهم قليل الصبر، فإنه يلجأ إلى علاج التنمية البشرية وتطوير الذات، الذي يراه كثيرون مجرّد دجل ونصب واحتيال وفائض ثرثرة عديمة
ارسال الخبر الى: