سام برس غزة حيث تقاس الحياة بالنجاة لا بالأمل تنتظر الكرامة قبل السلام

بقلم/ الدكتور حسن العاصي
في بقعة صغيرة محاصرة، لا تزال الأرواح تُزهق رغم توقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار. في غزة، لا شيء يتوقف… سوى نبض الأطفال تحت الركام. هنا، لا تُفتح المعابر، بل تُشرّع الإهانات. لا يُسمح للفلسطيني أن يعبر إلا إذا خضع، وانتظر، وتحمّل شروطًا لا تُفرض حتى على الأسرى. في وطنه، يُعامل كغريب. يُسأل عن وجهته، وعن حاجته، وعن طعامه وشرابه، وكأن وجوده نفسه يحتاج إلى إذن.
في غزة، لا معنى للهدنة ولا قيمة للاتفاقيات. فبينما تُوقَّع أوراق وقف إطلاق النار على الطاولات الباردة، تُزهق الأرواح يوميًا تحت القصف والرصاص، ويُدفن الأطفال والنساء والشيوخ في صمتٍ يفضح العالم بأسره. هنا، لا تُقاس الحياة بالسنوات ولا بالأيام، بل بعدد الشهداء الذين يسقطون كل صباح، وعدد الجثامين التي تُشيَّع قبل أن تجف دموع الأمهات.
معبر رفح، الذي يُفترض أن يكون نافذةً للحرية، تحوّل إلى مسرح للإذلال. الفلسطيني في وطنه يُعامل كغريب، يُفتَّش، يُسأل، يُمنع، ويُسمح له بالمرور فقط وفق شروط وتعقيدات تُقرِّرها إسرائيل، حتى في تفاصيل طعامه وشرابه. إنها هيمنة كاملة على الجسد والروح، على الحركة والسكون، على الحلم والواقع.
غزة اليوم لا تنتظر فتح معبر أو إعلان هدنة، بل تنتظر أن يُعاد لها شيء من كرامة الإنسان. تنتظر أن يُسمح لها أن تعيش كبقية البشر، أن يُسمح لها أن تحلم، أن تتحرك، أن تتنفس بلا إذلال، بلا حصار، بلا خوف دائم من الموت. لكن ما يواجهه أهلها هو أبشع من الحصار، والواقع أكثر قسوة من الحرب.: عالمٌ يراقب بصمت، ويتركهم يواجهون مصيرًا يوميًا من القتل والحرمان، وكأنهم خارج حدود الإنسانية.
حتى حين يُعلن عن هدنة، تُقتل العشرات. وحتى حين يُفتح المعبر، يُغلق في وجه الكرامة. وحتى حين يُسمح بالخروج، يُمنع الدخول.
ما ينتظر سكان غزة ليس فقط مستقبلًا غامضًا، بل اختبارًا يوميًا للقدرة على البقاء في وجه عالم قرر أن يتجاهلهم.
غزة ليست مجرد قضية سياسية، إنها مأساة وجودية. إنها المكان الذي يُختبر فيه ضمير العالم، والذي يفشل فيه
ارسال الخبر الى: