هل الحميرية حقا لغة مختلفة عن العربية

يمنات
نبيل الفودعي
كثيرٌ من الناس، وحتى بعض أهل اللغة، يعتقدون أن العربية الفصيحة وكأنها لغةٌ جاءت من كوكبٍ آخر، لا صلة لها باللغة الحميرية. ويرجع هذا التصور لدى الغالبية إلى عدة أسباب، من أبرزها مقولة اللغوي الكبير عمرو بن العلاء، وهو من أعلام العربية المعروفين، حيث قال عبارته الشهيرة: “ما لسانُ حميرَ وأقاصي اليمن بلسانِنا، وما عربيتُهم بعربيتِنا.”
وقد فهم بعض إخواننا العرب هذه المقولة على نحوٍ خاطئ، فظنوا أنها تعني أن أهل اليمن ليسوا عربًا، رغم ما يُقال عنهم بأنهم أصل العرب. والحقيقة أن عمرو بن العلاء لم ينفِ عنهم العروبة، بل أشار إلى اختلاف اللسان، فقال إن لسانهم غير لساننا، وعربيتهم غير عربيتنا؛ أي أنهم عرب، ولكن لغتهم أو طريقتهم في التعبير تختلف عن غيرهم.
وفي هذا السياق، نحاول في هذا الطرح توضيح هذا المفهوم، من وجهة نظر شخصية مدعومة بمنظور لغوي. فأولًا، ماذا نعني بقولنا “العربية الفصحى”؟ إن كلمة عربية في أصلها تدور حول معنى الإبانة والوضوح؛ فعندما تُعرب عمّا في داخلك، فإنك تُظهره وتوضحه، وعندما تُفصح عمّا تريد، فإنك تبين مقصدك بلا غموض. وقد جاء في قوله تعالى: “قرآنًا عربيًا غير ذي عوج”، أي في غاية الوضوح والاستقامة، لا التباس فيه ولا غموض، ولا يحتاج السامع إلى عناءٍ كبير في فهم مقاصده في سياقه.
ولا يُقصد بقولنا “قرآنًا عربيًا” أنه منسوب إلى العرب دون غيرهم على هذا النحو الضيق، بل إن المسألة أوسع من ذلك. فالحميرية تُعد أساسًا مهمًا في هذا السياق، وأصولها تمتد إلى السبئية القديمة، وهو ما تشير إليه النقوش السبئية المعروفة. وفي ضوء هذا الامتداد التاريخي، يمكن القول إن العربية لم تتشكل في لحظة واحدة، بل مرت بمراحل من التفاعل والتطور.
ومع مرور الزمن، اختارت العرب عددًا من المفردات والتراكيب التي شاع استخدامها وانتشر بين مختلف القبائل والمجتمعات، حتى أصبحت مفهومة على نطاق واسع، فأُطلق عليها العربية الفصيحة نتيجة لذيوعها وكثرة تداولها بين الناس. ولم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل جاء استجابة
ارسال الخبر الى: