توفيق الحميدي يكتب عن التحقيقات القضائية في السجون السرية باليمن من السرد إلى الأدلة

92 مشاهدة

لم تكن السجون السرّية في اليمن مجرد تفاصيل أمنية في زمن الحرب، بل كانت كاشفًا مبكرًا لانهيار فكرة الدولة حين تفقد المؤسسات قدرتها على ضبط القوة بالقانون، ويصبح الإنسان ملفا قابلا للإخفاء، وتتحول العدالة إلى خطاب عام لا إلى سلطةٍ تفصل وتُحاسب. ولأن هذا النوع من الجرائم لا يُرتكب في العلن، فقد ظل لعشر سنوات يتحرك في الظل: غرف بلا سجلات، وممرات بلا شهود، وأسماء تُقتلع من الحياة دون أثر، بينما يتآكل المعنى العميق لهيبة الدولة من الداخل.

ومع أن الملف عاد اليوم إلى الواجهة بعد تغيّر موازين نفوذ وتراجع الحضور المباشر للإمارات في بعض المناطق، فإن المشكلة الحقيقية ليست في عودة الحديث، بل في سؤال أكثر إزعاجا: لماذا لم يتحول الكشف المبكر إلى تحقيق؟ ولماذا ظل الضمير اليمني يسمع صدى الشهادات ولا يرى أثرا للعدالة؟ هنا تحديدا يتضح جوهر الأزمة: اليمن لم يكن عاجزا عن معرفة أن شيئا فظيعا يحدث، فطريقة بناء السجون السرية وحجمها ، يجب لا ، يقين هناك علم من كل اطراف التحالف علي الأرض، لكنه كان عاجزا عن تحويل هذه المعرفة إلى مسار مساءلة مستقل، طويل النفس، قادر على إثبات المسؤولية لا مجرد إدانة الظاهرة.

في ملفات التعذيب والسجون غير الرسمية والإخفاء القسري، لا يكفي أن تُروى القصص. التحقيق ليس أدبا في الألم، ولا وظيفة وجدانية لتسجيل المأساة. إنه هندسة قانونية دقيقة: إثبات الواقعة، تحديد الضحايا والأضرار، تثبيت سلسلة المسؤولية، بناء أدلة قابلة للتحقق، ثم نقل كل ذلك إلى مخرجات واضحة: إحالات، محاكمات، تعويضات، اعتذار رسمي، وإصلاحات تمنع التكرار. هذا الفرق بين الرواية والإجراء هو ما يجعل القضايا الحقوقية في اليمن تتخذ غالبًا شكل موجاتٍ تتوهج ثم تخفت، لأن العدالة لا تلحقها بخطوة مؤسسية واحدة.

تزداد هذه المهمة تعقيدًا لأن جرائم التعذيب تحدث داخل مساحات مغلقة صُممت أصلاً لإخفاء أثرها. لا أوامر مكتوبة، ولا قيود متاحة، ولا إمكانية وصول منتظم، وفي كثير من الحالات لا تكون مؤسسات الدولة نفسها صاحبة القرار الحقيقي في الاعتقال والإفراج.

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع الموقع بوست لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح