الحلول اليمنية المأزومة

شُهر عن اليمن حكمتها وفقهها وحنكتها وشجاعتها، حتى صارت شهادة الرسول –صلى الله عليه وسلم- لهم وساماً تاريخياً يردده اليمنيون في كل مكان، وفي كل محفل، وفي كل زمن (الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان)!
لكن من يراجع التاريخ اليمني الحديث، خاصة بعد خروج الأتراك من اليمن واستيلاء الإمامة على عموم اليمن منذ عام 1922 وحتى اليوم، يجد أن هذه الحكمة غابت في أهم محطات التحولات التاريخية اليمنية، والتي عجزت عن إنتاج شخصية قيادية حضارية مُخلِّصة لليمن من بؤسها وعهدها الظلامي.
حاول اليمنيون النهوض من خلال بعض الشخصيات الفكرية كالزبيري والنعمان والوريث، وغيرهم، خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات إلا أنه كان ينقصهم الكثير؛ فهؤلاء كانوا مفكري زمانهم، لكن الفكر وحده لا يكفي دون مصاحبة من شدة بأس وقبضة عسكرية تنفيذية متنورة تنتقل باليمن انتقالة جذرية وعملية، والانتقال من التنظير إلى التطبيق.
اجتهد ثلة من اليمنيين في الثورة الدستورية عام 1948 للانتقال الجزئي، وربما المرحلي، باليمن من العهد القديم إلى العهد الجديد التحاقاً بالموكب العربي العام الذي شهد تحرراً وانتقالاً نوعياً عقب حقبة سميت بعصر النهضة والتأسيس لما هم عليه اليوم من تقدم ولو لم يكن بالمستوى المأمول إلا أنه انتقال أفضل من الركود الماضي.
قرر اليمنيون الثورة على الإمامة في ذلك العام، كمحطة من محطاتهم النضالية التاريخية ضد الإمامة التي بدأت منذ عصور غابرة، وكانت أولى محطات التثوير الحقيقي في العصر الحديث؛ غير أنها كانت متساهلة ومتراخية وغير حاسمة. فقد كانت رؤيتهم جزئية بسيطة، ربما فرضها الواقع اليمني الذي لم يكن متهيئاً لذلك الانتقال نتيجة قرون من الانغلاق والتدمير الحضاري والفكري الذي قام به الإماميون، وليس سهلاً الانتقالة الجذرية والكلية بسبب وسائل لم تكن حاسمة ولا مهيأة.
كانت تلك الرؤية تقوم على انتقال الإمامة من بيت إلى بيت؛ من أسرة حميد الدين إلى أسرة بيت الوزير، مع شيء من الإصلاح، وبسبب التنافس التاريخي بين الأسرتين، مع أن بيت الوزير قادت حروب كارثية ومدمرة على اليمن الأسفل كأداة تنفيذية لبيت حميد الدين.
ارسال الخبر الى: