ذلك الحضور البديع 

19 مشاهدة

كنّا نعود سيراً على الأقدام من مطعم الجعشني القريب من منزلنا. لم يكن في الأمسية ما يستحق أن يُحفظ في الذاكرة. عشاء عادي، وشارع هادئ، وليل يشبه عشرات الليالي التي مرّت قبلها وبعدها. ومع ذلك بقيت تلك الأمسية مُعلّقة في ذهني. ربّما لأنّ الذاكرة تعرف أحياناً ما لا نعرفه نحن، تحتفظ بما سيُصبح يوماً نادراً قبل أن ندرك ندرته.

كنّا نتبادل التعليقات المرحة عن صاحب المطعم. أُطلق ملاحظة عابرة من تلك الملاحظات التي تخرج من دون تفكير فيلتقطها بسرعة ويضيف إليها تفصيلاً يجعلها أكثر طرافة ممّا كنت أقصد. ثم أعود أنا لأبني على ما قاله، فنمضي دقائق طويلة نضحك على شيء قد يبدو تافهاً لأيّ شخص يسمعنا من الخارج. كان يميل للخلف حين يضحك، ضحكة تبدأ في العينين قبل أن تصل إلى الصوت. كان يمتلك موهبة نادرة في التقاط المفارقات الصغيرة. يرى ما لا يراه الآخرون، أو ربّما يرى الأشياء نفسها لكن من زاوية مختلفة قليلاً.

في تلك اللحظات كنت أنسى فارق العمر بيننا. لم يكن بالنسبة لي ابن أخت يصغرني بسنوات. كان صديقاً بالمعنى الحقيقي للكلمة. من أولئك الأشخاص الذين لا تحتاج إلى شرح طويل أمامهم. تكفي نصف جملة أو نظرة أو تعليق عابر فيفهم المقصود ويكمل البناء عليه كأنّه كان يفكّر بالفكرة نفسها منذ البداية. هذا النوع من الأشخاص نادر. ليس لأنّهم يفهمون ما تقوله، بل لأنّهم يفهمون ما لم تقله بعد.

بريق لا يُوصف ولا يُصوَّر، ولا يبقى إلا في ذاكرة من رآه

حين أفكّر فيه اليوم، لا أتذكّر أولاً شهاداته أو نجاحاته أو المواقع التي وصل إليها. هذه الأشياء موجودة في السجلات، يمكن لأيّ أحد أن يجدها. لكن ما لا يجده إلا من عرفه هو: ضحكته، وسرعة بديهته، وذلك البريق الذي كان يظهر في عينيه حين يلتقط نكتة أو ملاحظة أو مفارقة صغيرة في الحياة اليومية. ذلك البريق الذي لا يُوصف ولا يُصوَّر، ولا يبقى إلا في ذاكرة من رآه.

لكن تلك الخفّة لم تأتِ من

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح