الحرب وإعادة تشكيل نفسية اليمني
لا تدمّر سنوات الحرب الطويلة في أيّ بلد المدن وتغيّر شكل الحياة فقط، بل تُعيد أيضًا تشكيل الإنسان نفسه. فأثرها الحقيقي لا ينتهي عند المباني المُهدّمة، بل يمتدّ إلى طريقة تفكير الناس وقيمهم وسلوكهم اليومي. وقد أثبتت تجارب دول كثيرة أنّ إعادة إعمار الحجر مُمكنة خلال فترات زمنية معقولة، أما إعادة ترميم الإنسان فمسار أبطأ بكثير. فالثقة، والإحساس بالأمان، والاطمئنان للمستقبل، وروح المبادرة لا تُبنى بقرار ولا تُستعاد بمشروع، بل بمسار طويل قد يمتدّ لأجيال. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما جرى في اليمن: فسنوات الحرب لم تغيّر ظروف العيش فقط، بل غيّرت نظرة اليمني إلى الواقع نفسه، كيف يثق، وكيف يحكم، وكيف يعرّف الصواب والخطأ، وكيف يقيس النجاح والنجاة والواجب.
في الحالة اليمنية، يمكن رؤية هذا التحوّل بوضوح منذ ثورة فبراير 2011 وما تلاها من مرحلة انتقالية اتسمت بروح المشاركة والأمل. برزت آنذاك قيم التغيير السلمي والعمل الجماعي والإيمان بإمكانية بناء مسار سياسي جديد. لكن مع تعثّر المرحلة الانتقالية ثم انزلاق البلاد إلى الحرب وتراجع مؤسسات الدولة، دخل المجتمع في حالة ضغط ممتد، ومع طول الخطر بدأت أولويات الإصلاح تتراجع أمام ضرورات البقاء.
أوّل ما يتآكل في مثل هذه الظروف هو ثقة الناس بالمؤسسات والقوانين. قبل الحرب، كانت هذه الثقة، رغم هشاشتها، موجودة بدرجة ما في الجهات الرسمية. ومع الانقسام وازدواج السلطات وتضارب القرارات، ضعفت الثقة بهذا الإطار، وانتقلت إلى الدوائر الضيّقة: العائلة والجماعة المحلية وشبكات العلاقات. يتجلّى ذلك عمليًّا في الاعتماد على من تعرف أكثر من الاعتماد على النظام، والبحث عن واسطة لإنجاز معاملة بدل اللجوء إلى المسار الرسمي. هذا التحوّل ليس ثقافيًّا فقط، بل نفسي دفاعي؛ فالعقل تحت عدم اليقين يقلّص دائرة الاعتماد إلى ما هو مباشر ومضمون.
العقل تحت عدم اليقين يقلّص دائرة الاعتماد إلى ما هو مباشر ومضمون
كما اختلّ ميزان الحكم على الأفعال. في أجواء الصراع، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بقدر ما أصبح: من الذي فعله؟ الخطأ قد يُدان إذا صدر من طرف
ارسال الخبر الى: