ما الحب
ما الحب؟ أهو ميل القلب إلى من يألفه، وانجذاب الروح إلى من تجد في قربه سكينتها؟ أم هو سر من أسرار الوجود، تتجاوز به النفس حدودها الضيقة، وتخرج من أسر الأنا إلى رحابة العالم؟ أهو رغبة في امتلاك المحبوب، أم قدرة على الاعتراف بحريته، وقبول اختلافه، ورؤية الجمال في صور لم تألفها العين من قبل؟ وكيف استطاع الحب أن يكون، في تجربة الإنسان، مبعثًا للوصال والفراق، ومصدرًا للألم واللذة، وطريقًا إلى معرفة الذات والعالم؟ إن هذه الأسئلة تقودنا إلى تلك الأبيات التي صاغ فيها محيي الدين ابن عربي الأندلسي “الشيخ الأكبر” رؤيته للمحبة، حتى غدت من أبلغ ما قيل في اتساع القلب الإنساني وقدرته على احتضان الاختلاف. إذ يقول:
لقد صار قلبي قابلاً كل صورةٍ فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توجّهتْ ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيماني
لا يقف ابن عربي عند وصف الحب باعتباره عاطفة تنشأ بين شخصين، ثم تقوى باللقاء وتخبو بالفراق، وإنما يرتقي به إلى منزلة الرؤية التي يعيد الإنسان من خلالها اكتشاف علاقته بالوجود، لأن القلب الذي يتحدث عنه قد صار “قابلاً كل صورة”، وهذه العبارة، على وجازتها، تفتح أمامنا أفقًا فلسفيًّا واسعًا، إذ لم يعد القلب سجنًا لا يسمح بالدخول إلا لما يوافق مألوفه، وإنما غدا فضاء تتعدد فيه الصور وتتجاور، من غير أن تفقد خصوصيتها أو تضطر إلى التشبه بغيرها. ولعل أول ما يقتضيه الحب، في هذا المعنى، أن يتحرر الإنسان من ضيق أحكامه المسبقة، فنحن كثيرًا ما نحب ما يشبهنا، ونطمئن إلى من يوافق أفكارنا، ونأنس بمن ينتمي إلى عالمنا الثقافي والاجتماعي. أما المختلف، فنستقبله أحيانًا بالحذر، ونحاكمه قبل أن نصغي إليه، ونختزل تجربته في صورة رسمناها عنه قبل معرفته. وهكذا تتحول الذات إلى مقياس وحيد للحقيقة، ويغدو العالم مرآة نطلب منها أن تعيد إلينا وجوهنا.
لكن الحب، كما يوحي به ابن عربي، يقتضي قدرة أخرى: أن نرى في الآخر إنسانًا قبل أن نراه
ارسال الخبر الى: