الدين في قلب الجيوبوليتيك حين تلتقي الجغرافيا السياسية بالصهيونية المسيحية في الاستراتيجية الأمريكية
19 مشاهدة
الجيوبوليتيك ستكون ويجب أن تكون الضمير الجغرافي للدولة هكذا كتب الجنرال والجغرافي الألماني كارل هاوسهوفر أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في تطوير دراسة الجيوبوليتيك الجغرافيا السياسية في أوائل القرن العشرين غير أن المفارقة اللافتة أن مصطلح الجيوبوليتيك ظل منذ نشأته مشوبا بقدر من الغموض فكرة واسعة تشير إلى العلاقة بين الجغرافيا والقوة لكنها في الوقت ذاته عصية على الضبط المفاهيمي الصارم وربما كان هذا الغموض نفسه سر الحيوية التي يتمتع بها المصطلح اليوم فالجيوبوليتيك لم تعد حكرا على الأكاديميين ومراكز الأبحاث بل صارت جزءا من اللغة اليومية لفهم السياسة الدولية رغم أن حضورها الكثيف في الخطاب العام حديث نسبيا فقبل عقدين فقط كان العالم مختلفا فحينها بدت القوة الأمريكية في مطلع القرن الحادي والعشرين بلا سابقة تاريخية فقد هيمنت الولايات المتحدة على النظام العالمي بقدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية وثقافية هائلة لم تجتمع من قبل لدولة في آن واحد آنذاك ففي 2002 صدر كتاب أمريكا بلا منازع America Unrivaled الذي حرره عالم السياسة الأمريكي جون آيكنبيري أحد أبرز منظري الليبرالية الدولية انطلق الكتاب من عدة أسئلة إلى أي مدى يمكن أن يستقر هذا النظام الأحادي القطبية وهل ستعود الديناميكية القديمة لتوازن القوى إلى الظهور مع صعود قوى كبرى أخرى لتحدي التفوق الأمريكي رأى المشاركون في الكتاب حينها أن موازنة القوى التقليدية لم تظهر بعد في هذا النظام الدولي الجديد ولذلك طرحوا سؤالا أعمق عما إذا كان رد فعل مضاد للهيمنة الأمريكية يلوح في الأفق القريب أم أن طبيعة النظام العالمي بعد الحرب الباردة قد غيرت وربما ألغت المنطق التقليدي لتوازن القوى برمته فقد طرح هذا النقاش في لحظة سياسية حساسة داخل الولايات المتحدة مع تصاعد الزخم في واشنطن نحو غزو العراق حيث دار جدل واسع حول ما إذا كانت اللحظة الأحادية القطبية قد منحت الولايات المتحدة حرية غير مسبوقة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق رؤيتها وبدا لكثير من المراقبين آنذاك أن العالم قد دخل مرحلة ما بعد الجيوبوليتيك التقليدي فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم يظهر صراع واضح بين قوى عظمى متنافسة وكأن منطق توازن القوى الذي حكم السياسة الدولية لقرون قد تراجع مؤقتا لكن هذا التصور لم يدم طويلا فخلال العقد الأول من الألفية الثالثة بدأ مصطلح الجيوبوليتيك يعود تدريجيا إلى مركز الخطاب السياسي العالمي ويرصد أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون هارولد جيمس لحظتين حاسمتين في هذه العودة الأولى عقب الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2008 حين بدأ ميزان القوة الاقتصادية العالمية يتحول بصورة واضحة مقلصا من مركزية الغرب وممهدا لعودة منطق المنافسة بين القوى الكبرى أما اللحظة الثانية فبرزت بين عامي 2014 و2015 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وتفجر أزمة اللاجئين في أوروبا نتيجة الحرب السورية وغالبا ما يربط هذا التحول ببوتين وشي جين بينغ اللذين أعادا لغة الجيوبوليتيك إلى مركز الخطاب السياسي الدولي فقد وصف بوتين انهيار الاتحاد السوفييتي بأنه أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين معبرا عن رؤية ترى السياسة الدولية ساحة لاستعادة المكانة بعد لحظات الإذلال التاريخي إذ لم يكن هذا الخطاب طارئا فمنذ التسعينيات بدأ في روسيا تفكير جيوسياسي جديد يسعى إلى إعادة تعريف موقع الدولة بعد فقدانها مكانتها الإمبراطورية وبلغ تعبيره الأوضح في خطاب بوتين بميونيخ عام 2007 ضد الأحادية القطبية الأمريكية تعكس هذه اللغة نمطا مألوفا في التفكير الجيوسياسي شعور بأن السياسة الدولية ليست مجرد إدارة للمصالح بل مسرح تعاد فيه كتابة الخسائر التاريخية فالجيوبوليتيك بحسب هارولد جيمس في كثير من الأحيان ليست فقط حسابا للقوة بل أيضا محاولة لتحويل الإذلال إلى استعادة للمكانة ومن هذه الزاوية يمكن فهم الخطاب الصيني الحالي كذلك فالتطلع الصيني إلى استعادة موقعه العالمي يرتبط بذاكرة ما تسميه بكين قرن الإذلال وهي الفترة التي أعقبت حروب الأفيون حين فرضت القوى الإمبريالية الأوروبية نظاما دوليا اختل فيه ميزان القوة على حساب الصين وقد بدأ التحول الصيني نحو التفكير الجيوسياسي العالمي يتبلور بوضوح بعد الأزمة المالية العالمية حين بدا أن الاقتصاد الصيني أصبح عنصرا حاسما في استقرار النظام الاقتصادي العالمي ففي عام 2009 دعا الرئيس الصيني آنذاك هو جينتاو إلى أن تعزز الصين أربع ركائز أساسية تأثيرا سياسيا أكبر وقدرة تنافسية اقتصادية أعلى وصورة دولية أكثر جاذبية وقوة أخلاقية أكثر إقناعا ومع ذلك فإن عودة الجيوبوليتيك لم تصبح محسوسة لدى الجمهور العالمي إلا بعد سلسلة من الأزمات المتلاحقة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وموجة اللاجئين التي أعقبت الحرب السورية ثم الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022 التي أعادت التذكير بأن الطاقة والموارد الطبيعية يمكن أن تتحول بسرعة إلى أدوات ضغط جيوسياسية لذلك لاحظ هارولد جيمس أن الولايات المتحدة أصبحت اليوم مهووسة بالتحديات الجيوسياسية وأن هذا القلق يدفعها إلى إعادة صياغة تصورها للعالم وموقعها فيه وربما يمكن قراءة كثير من التحركات الأمريكية الأخيرة من الصراعات التجارية إلى إعادة رسم التحالفات ومن الضغوط الاقتصادية إلى شن الحروب مباشرة أو التلويح بها في ضوء هذا التحول غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا أكثر تعقيدا لماذا تبدو واشنطن في لحظة إعادة فرض هيمنة أكثر قسرية مستعدة للمغامرة بعلاقاتها مع حلفائها التقليديين في أوروبا والخليج ولماذا تتخذ أحيانا مسارات صدامية بدل البحث عن ترتيبات أكثر استقرارا لإدارة النظام الدولي ربما تكمن الإجابة في بعد آخر ظل الغرب طوال قرون يحاول إبعاده عن تفسير تقدمه السياسي البعد الديني الصهيونية المسيحية وترامب وعودة الدين إلى قلب الجيوبوليتيك إذا كان التفكير الجيوسياسي يقدم غالبا بوصفه علما باردا لحسابات القوة والمصلحة فإن التجربة الأمريكية تكشف أن هذا التصور ناقص فخلف كثير من القرارات الكبرى التي شكلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة كان هناك عنصر أقل وضوحا لكنه بالغ التأثير الدين وفي هذا السياق لا تبدو سياسات دونالد ترامب مجرد مراجعة لدور واشنطن العالمي أو إعادة ترتيب لأولوياتها الاستراتيجية بل تمثل أيضا خطوة إضافية في إعادة إدخال الدين إلى قلب القرار السياسي الأمريكي فإدارة ترامب لم تكتف بإعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي بل رفعت كذلك العلاقة بين الدين والسياسة إلى مستوى أكثر صراحة في هذا الإطار تحديدا برزت الإنجيلية البيضاء بوصفها أحد أهم المكونات الأيديولوجية التي تؤثر في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية فقد أصبح هذا التيار الديني الذي يشكل قاعدة اجتماعية وسياسية رئيسية لحركة ماغا جزءا من البيئة الفكرية التي تصاغ داخلها قرارات تتعلق بالشرق الأوسط وعلى رأسها الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل مصطلح الصهيونية shutterstock و لا يقتصر هذا الدعم في نظر كثير من الباحثين على اعتبارات استراتيجية تقليدية مثل التحالفات العسكرية أو موازين القوة الإقليمية بل يرتبط أيضا بجذور لاهوتية عميقة داخل ما يعرف بالصهيونية المسيحية فوفق هذا التصور الديني يعد تجمع اليهود في الأراضي الفلسطينية خطوة ضرورية في مسار إلهي يقود في النهاية إلى المجيء الثاني للمسيح وهي اللحظة التي تسبق بحسب هذا الاعتقاد معركة كونية فاصلة بين الخير والشر تعرف في الأدبيات اللاهوتية بمعركة هرمجدون ولهذا يرى أندرو تشيسنات أستاذ الدراسات الدينية في جامعة فرجينيا كومنولث أن نسبة كبيرة من الإنجيليين البيض في الولايات المتحدة تتبنى هذا الإطار اللاهوتي في تفسير السياسة العالمية وقد حذر تشيسنات منذ ولاية ترامب الأولى من احتمال أن يدفع هذا التصور بعض المسؤولين السياسيين إلى تبني سياسات تصعيدية في الشرق الأوسط بدافع الاعتقاد بأن الصراعات الكبرى قد تكون جزءا من تحقيق النبوءات الدينية المتعلقة بنهاية التاريخ ربما كان من الممكن قبل سنوات قليلة التعامل مع مثل هذا التحليل بوصفه قدرا من المبالغة الأكاديمية لكن الخطاب السياسي الذي يرافق الحرب الجارية اليوم في المنطقة يشير إلى ظاهرة أكثر تعقيدا فحين تنجرف واشنطن خلف الأجندة الإسرائيلية وأساطيرها الدينية ولا سيما خلف الرؤية التي يطمح إليها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لا يعود المشهد قابلا للتفسير فقط بمنطق التحالفات أو توازنات الردع أو حتى المصالح النفطية فمنذ 7 أكتوبر تشرين الأول 2023 وما تلاه من تصعيد عسكري واسع في المنطقة وصولا إلى المواجهة مع إيران اليوم بدا خطاب نتنياهو أكثر اقترابا من اللغة الدينية مما كان عليه في معظم مراحل مسيرته السياسية فقد لجأ مرارا إلى اقتباسات وإشارات من الكتاب المقدس سواء في خطاباته الموجهة إلى الجيش بهدف رفع المعنويات أو في تصريحاته العامة أو حتى في ردوده على أسئلة الصحفيين وفي كل مرة كان هذا الاستدعاء يضيف طبقة رمزية إلى الصراع توحي بأن ما يجري ليس مجرد حرب أخرى في الشرق الأوسط بل لحظة تاريخية ذات دلالات أوسع ولا يقتصر هذا التحول على الخطاب الإسرائيلي وحده ففي واشنطن لا يقدم ماركو روبيو التحالف الغربي بلغة المصلحة وحدها بل يربطه أيضا بإرث حضاري وثقافي مشترك إذ وصف الولايات المتحدة في ميونيخ بأنها ابنة أوروبا وتحدث عن تحالف تاريخي صاغ العالم الغربي في خطاب قرأه كثيرون بوصفه استدعاء صريحا للهوية المسيحية الغربية في تعريف الشراكة عبر الأطلسي أما في ما يخص الحرب الجارية فقد قال روبيو بوضوح كنا نعلم أن عملا إسرائيليا سيقع مضيفا أن واشنطن رأت أن ذلك كان سيستجلب هجوما على القوات الأمريكية وهو تصريح عزز الانطباع بأن الولايات المتحدة لا تتحرك فقط دفاعا عن مصالحها المباشرة بل أيضا داخل إيقاع استراتيجي تفرضه حسابات إسرائيل وفي المقابل لا يقرأ خطاب وزير الدفاع بيت هيغسيث بعيدا عن سجله الفكري فهو صاحب لغة تنظر إلى الصراع مع الإسلام وإلى أمن إسرائيل ضمن إطار حضاري صدامي وقد ظهر ذلك بوضوح في كتاباته السابقة واستدعائه لرموز الحروب الصليبية وقد انعكس ذلك بوضوح حين برر الحرب على إيران قائلا إن الأنظمة المهووسة بأوهام إسلامية نبوية مثل إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحا نوويا مغلفا كلامه بطابع ديني يظهر العداء الحقيقي للإسلام والنوايا الحقيقية للحرب الأمريكية لكن المفارقة أن الخطاب الذي شحن به بعض الجنود لم يكن أقل دينية فبحسب منظمة الحرية الدينية العسكرية Military Religious Freedom Foundation MRFF تلقت المنظمة أكثر من 200 شكوى من جنود وضباط من مختلف أفرع الجيش الأمريكي وصفوا فيها قادة عسكريين وهم يقدمون الحرب على إيران للجنود باعتبارها جزءا من الخطة الإلهية ومقدمة لمعركة هرمجدون وعودة المسيح بل كتب أحد ضباط الصف أن قائده طلب منهم أن يشرحوا للجنود أن هذه الحرب كلها ضمن خطة الله واستشهد أمامهم بنصوص من سفر الرؤيا وذهب أبعد من ذلك حين قال إن دونالد ترامب قد مسح من يسوع ليشعل الشرارة في إيران إيذانا ببداية النهاية كما أدلى قبل ذلك بأيام السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بتصريحات أشار فيها إلى أن الكتاب المقدس يتحدث عن الأرض التي أعطيت للشعب اليهودي في إشارة مباشرة إلى الوعد التوراتي هكذا بين النصوص الدينية القديمة والمطامع الاستعمارية يتشكل مشهد معقد تتداخل فيه العقيدة مع الجغرافيا السياسية ما يظهر هنا ليس مجرد تحالف استراتيجي تقليدي بل نمط متزايد من التفكير يذيب الحدود بين القداسة والسياسة داخل العقل الاستراتيجي في واشنطن و لفهم هذه الظاهرة على نحو أدق ربما لا بد من العودة خطوة إلى الوراء فرغم أن الدستور الأمريكي ينص على مبدأ الفصل بين الدين والدولة فإن السياسة الأمريكية ولا سيما في لحظات الحرب يصعب فهمها بمعزل عن حضور ديني راسخ داخل التيار الإنجيلي المحافظ وهو تيار باتت امتداداته واضحة داخل حركة ماغا المعاصرة وليس هذا التداخل جديدا تماما في التاريخ السياسي الأمريكي فقد ظهرت ملامحه بوضوح في خطابات رؤساء أمريكيين سابقين مثل رونالد ريغان وجورج بوش الابن اللذين استخدما مفردات دينية ونبوية في توصيف الصراعات الدولية رونالد ريغان مع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير في المكتب البيضاوي shutterstock فريغان قبل وصوله إلى الرئاسة تحدث عن احتمال أن تشهد البشرية في زمنه معركة هرمجدون المذكورة في سفر الرؤيا وهي المعركة النهائية بين قوى الخير والشر وقد أشار بول كينجور في كتابه الله ورونالد ريغان حياة روحانية إلى أن هذه الرؤية الدينية شكلت جزءا من تصور ريغان للصراع العالمي خلال الحرب الباردة عاد هذا المزج بين العقيدة والسياسة إلى الظهور بقوة في عهد جورج بوش الابن فبعد هجمات 11 سبتمبر أيلول 2001 استخدم بوش تعبير حملة صليبية في وصف الحرب على الإرهاب بينما في الوقت نفسه بررت الإدارة الأمريكية غزو العراق عام 2003 بادعاءات امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل رغم أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تقدم أدلة حاسمة على وجود برنامج نشط لهذه الأسلحة ومع ذلك شنت الحرب وسقط نظام صدام حسين خلال أسابيع ورغم أنه لاحقا أصبح واضحا أن النفط والمصالح الجيوسياسية لعبت دورا مهما في قرار الحرب فإن البعد الديني لم يكن غائبا أيضا إذ أشارت وثائق دبلوماسية إلى أن بوش كان يرى نفسه مدفوعا بإيمان ديني قوي في مواجهة ما اعتبره قوى الشر ضمن هذا السياق التاريخي لا يبدو خطاب دونالد ترامب قطيعة مع الماضي بقدر ما يبدو امتدادا له فدراسة أكاديمية بعنوان أثر النفوذ الإنجيلي على سياسات دونالد ترامب تجاه إسرائيل وإيران نشرها باحثان من جامعة يلدز التقنية في تركيا عام 2021 تشير إلى أن ما حدث في عهد ترامب لم يكن ظاهرة عابرة بل نتيجة تراكم طويل لنفوذ التيار الإنجيلي داخل بنية السياسة الأمريكية وترتكز هذه الرؤية على مذهب لاهوتي يعرف باسم التدبيرية Dispensationalism وهو تفسير ديني للتاريخ يرى أن العالم يمر بمراحل إلهية محددة تنتهي بعودة المسيح وفي هذا الإطار يصبح دعم إسرائيل جزءا من مسار ديني أوسع لا مجرد خيار دبلوماسي ولهذا تستحضر في الخطاب الإنجيلي السياسي آية من سفر التكوين تقول وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ومع مرور الزمن تحولت هذه العبارة إلى ما يشبه قاعدة سياسية غير مكتوبة داخل بعض التيارات المؤثرة في واشنطن من يبارك إسرائيل ينال البركة ومن يعاديها يجلب اللعنة وهكذا تتحول العلاقة مع دولة بعينها من مسألة دبلوماسية قابلة للنقاش إلى اختبار للولاء الديني في نظر قطاعات من المسيحية القومية الأمريكية ترامب وحركة ماغا والصهيونية المسيحية عندما صعد دونالد ترامب إلى قيادة الحزب الجمهوري توقع كثير من المعلقين أنه سيواجه صعوبة في كسب تأييد الإنجيليين المحافظين فأسلوب حياته الشخصي الصاخب والبعيد عن التدين و خطابه الشعبوي الصاخب كانا بعيدين عن الصورة التقليدية التي يفضلها هذا التيار الديني المحافظ لكن ما حدث كان العكس تماما بدل أن يبتعد الإنجيليون عن ترامب نشأ تحالف سياسي وثيق بينه وبين قطاعات واسعة من التيار الإنجيلي ولا سيما داخل ما يعرف بالصهيونية المسيحية وقد عزز ترامب هذا التحالف عبر علاقات وثيقة مع شبكات دينية وسياسية مؤثرة من بينها حركة الإصلاح الرسولي الجديد New Apostolic Reformation وهي شبكة دينية ذات نفوذ متنام في بعض الأوساط الإنجيلية وصفها مركز قانون الفقر الجنوبي بأنها من أكثر الحركات الدينية السياسية تأثيرا وأشدها إثارة للجدل في الحياة العامة الأمريكية تقدم هذه الحركة نفسها بوصفها مشروعا لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية مسيحية محافظة تقوم على مبدأ السيادة المسيحية أي سيطرة المؤمنين الإنجيليين على مفاصل المجتمع كافة تحت ما يعرف بـ الجبال السبعة للمجتمع الأمريكي الأعمال التجارية والتعليم والترفيه والأسرة والحكومة والإعلام والدين يؤمن أتباعها بأن عليهم خوض حرب روحية ضد قوى الشر بهدف إقامة مملكة الله على الأرض تمهيدا لعودة المسيح وإحدى السمات الفارقة لتلك الحركة هي إيمانهم بإعادة دور الرسل و الأنبياء المعاصرين في قيادة الكنيسة لذا يدعي قادة الحركة ألقابا رسولية ونبوية مدعين أن الله يرسل لهم إعلانات جديدة مباشرة وحي خاص بجانب النصوص المقدسة شخصيات في حركة الإصلاح الرسولي الجديد يصلون مع دونالد ترامب في البيت الأبيض في رويترز في نظر أتباع هذه الحركة ترامب ليس مجرد رئيس أو زعيم سياسي بل هو أداة إلهية مختارة شبيه بالملك الفارسي كورش الذي يزعم الإنجيليون أن الله استخدمه لتحرير اليهود وإعادتهم إلى وطنهم وقد وجدت هذه الرؤية صدى لدى عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة مثل رئيس مجلس النواب مايك جونسون والنائبة مارجوري تايلور غرين اللذين عبرا في مناسبات مختلفة عن تعاطف مع بعض أطروحات هذا التيار ضمن هذا السياق الأوسع بدأت إدارة ترامب الأولى في تبني سياسات شرق أوسطية غير مسبوقة من حيث قربها من الأجندة السياسية للصهيونية المسيحية أحد أبرز هذه القرارات جاء في عام 2018 عندما قرر ترامب نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس وهو قرار مثل تحولا كبيرا في السياسة الأمريكية التقليدية تجاه المدينة المتنازع عليها وفي العام التالي ذهبت الإدارة أبعد من ذلك حين اعترفت رسميا بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية كما أعلنت الإدارة الأمريكية آنذاك أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لا تعد مخالفة للقانون الدولي وهو موقف مثل خروجا واضحا عن السياسة التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لعقود لكن دعم ترامب لم يقتصر على السياسات الإسرائيلية الداخلية بل امتد أيضا إلى أولوياتها الإقليمية وعلى رأسها المواجهة مع إيران ففي مقابلة أجرتها شبكة البث المسيحية عام 2019 مع وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو سئل عن سياسات إدارة ترامب تجاه إسرائيل فأجاب أعتقد أن الرب يعمل هنا وقد عد هذا التصريح في حينه مثالا لافتا على اللغة الدينية التي بدأت تصبح أكثر فجاجة في توصيف السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وفي الوقت نفسه سعت إدارة ترامب إلى إعادة تشكيل البيئة الدبلوماسية في المنطقة فمن خلال ما سمي اتفاقات أبراهام وهي تسمية تستحضر بوضوح رموزا دينية مارست واشنطن ضغوطا دبلوماسية على عدد من الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل وهو ما أدى إلى إقامة علاقات رسمية بين إسرائيل وبعض من الدول العربية وقد قدمت هذه الاتفاقيات من قبل واشنطن بوصفها إنجازا دبلوماسيا يعزز السلام الإقليمي لكنها في الوقت ذاته شكلت تحولا مهما في الموقف العربي التقليدي الذي كان يربط التطبيع بإقامة دولة فلسطينية مستقلة كل ذلك عزز مكانة ترامب داخل الأوساط الإنجيلية المؤيدة للصهيونية المسيحية فقد أصبح كثير من هؤلاء الناخبين ينظرون إليه بوصفه أداة تاريخية لتحقيق ما يرونه مسارا إلهيا يتعلق بحماية إسرائيل وتحقيق النبوءات التوراتية المرتبطة بالشرق الأوسط ومع مرور الوقت بدأت هذه العلاقة تتجاوز مجرد التحالف الانتخابي التقليدي لتتحول إلى تحالف أيديولوجي أوسع بين حركة لنجعل أمريكا عظيمة مجددا وبين شبكات الصهيونية المسيحية داخل المجتمع الأمريكي لكن هذا التحالف لا يمكن فهمه فقط من خلال البعد الديني الشرق الأوسط في الحسابات الأمريكية إسرائيل كمضاعف قوة وإيران كالعقبة الكبرى ففي خلفيته يقف أيضا منطق استراتيجي واضح يتعلق بموقع الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي وبالدور الذي تؤديه إسرائيل داخل التصورات الجيوسياسية الأمريكية ففي مارس آذار 2025 أصدرت مؤسسة هيريتدج وهي واحدة من أبرز مراكز التفكير المؤثرة في رسم ملامح مشروع ترامب لولايته الثانية تقريرا بعنوان إستراتيجية الولايات المتحدة إسرائيل من علاقة خاصة إلى شراكة إستراتيجية 2029 2047 لم تدع الورقة صراحة إلى الحرب علي إيران لكنها قدمت تصورا واضحا لكيفية نظر بعض الاستراتيجيين في واشنطن إلى موقع إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى إذ يشير التقرير إلى تطوير العلاقة العسكرية بين البلدين من صيغة المساعدة التقليدية إلى شراكة استراتيجية متكافئة نسبيا ويصف إسرائيل بأنها الشريك الأكثر موثوقية وقدرة في الشرق الأوسط بل ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يعرفها باعتبارها مضاعف قوة منخفض الكلفة للردع الأمريكي في المنطقة ويتوقف التقرير عند البعد الجغرافي الاقتصادي لهذه الشراكة فهو يشير إلى أهمية ربط الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر الخليج وإسرائيل وتأمين الممرات البحرية الحيوية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس وفي هذا السياق يذكر بأن الشرق الأوسط ما يزال يمتلك ما يقارب نصف الاحتياطيات النفطية العالمية الأمر الذي يجعل استقرار هذه المنطقة أو السيطرة على مفاتيحها الجيوسياسية مسألة ذات أهمية مركزية للاقتصاد العالمي أما تقرير معهد هدسون الصادر في فبراير شباط 2026 بعنوان الحجة الاقتصادية للشراكة الأمريكية الإسرائيلية فيقدم قراءة مكملة لهذه الرؤية فالتقرير يصر على أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ليست مجرد تحالف سياسي أو عاطفي بل بنية استراتيجية طويلة المدى ويركز على ما يسميه التكامل القطاعي بين الاقتصادين خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا العسكرية ويشير التقرير إلى أن حجم التجارة بين البلدين بلغ نحو 49 مليار دولار فيما تقدر الاستثمارات الإسرائيلية في الولايات المتحدة بنحو 24 مليار دولار ووفق هذه القراءة تمثل إسرائيل ما يشبه مختبرا تكنولوجيا متقدما يوسع الحدود التقنية للقدرة الأمريكية وفي الوقت نفسه يضيف بعدا استراتيجيا لانتشارها العالمي لكن هذه الرؤية لا تقف عند حدود التكنولوجيا أو الاقتصاد ففي مجمل هذه الأدبيات الاستراتيجية تقدم إسرائيل بوصفها عقدة جيوسياسية محورية في بنية النفوذ الغربي في الشرق الأوسط مركز ابتكار وحليف عسكري متقدم ونقطة ارتكاز في شبكة الممرات التجارية والطاقة التي تربط آسيا بأوروبا وفي هذا السياق تحديدا يظهر موقع إيران في الحسابات الأمريكية فوجود قوة إقليمية مناهضة للنفوذ الأمريكي وتمتلك شبكة تحالفات عسكرية وسياسية تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط يقدم في هذه الأدبيات بوصفه عامل عدم استقرار محتمل للممرات الاقتصادية والملاحية ولهذا يطرح تحييد إيران سواء عبر العقوبات أو الردع العسكري باعتباره جزءا من الحفاظ على استقرار هذا النظام الإقليمي ضمن هذه المعادلة الجيوسياسية الجديدة تظهر إيران بوصفها العقبة الكبرى فوجود قوة إقليمية معادية لإسرائيل ومناهضة للنفوذ الأمريكي وتمتلك شبكة واسعة من الحلفاء في المنطقة ينظر إليه في واشنطن وفي تل أبيب على السواء بوصفه التحدي الأكثر خطورة أمام هذا التصور لإعادة ترتيب الشرق الأوسط ربما كان كارل هاوسهوفر محقا حين وصف الجيوبوليتيك بأنها الضمير الجغرافي للدولة لكن ما تكشفه اللحظة الراهنة هو أن هذا الضمير لا يتشكل من الجغرافيا وحدها فالدول لا تتحرك فقط وفق خرائط الأرض ومواردها بل أيضا وفق الخرائط الأعمق التي ترسمها الأفكار والأساطير والذكريات الدينية في وعيها السياسي في الشرق الأوسط اليوم تبدو هذه الحقيقة واضحة على نحو خاص فبين حقول النفط وخطوط الملاحة وبين النصوص التوراتية ونبوءات نهاية الزمان يتقاطع الاقتصاد مع اللاهوت وتتجاور الحسابات العسكرية مع السرديات الخلاصية وهكذا يصبح الصراع في هذه المنطقة مرة أخرى مسرحا يلتقي فيه ما هو مادي بما هو رمزي وما هو استراتيجي بما هو اعتقادي ليس معنى ذلك أن الدين يفسر وحده قرارات الدول الكبرى كما أن الجغرافيا وحدها لم تكن يوما كافية لفهم التاريخ لكن ما يبدو جليا هو أن السياسة الدولية حين تبلغ لحظات التوتر الكبرى تميل إلى استدعاء طبقات أعمق من المعنى روايات الهوية وذكريات الإذلال وتصورات الرسالة التاريخي
ارسال الخبر الى: