الجيل العثماني الأخير صدمة النخب العربية عشية الاستعمار

92 مشاهدة
في لحظة تاريخية فارقة بدا أن عالما قديما مات وآخر ولد مترافقا مع ظهور الوحوش كما يقول غرامشي إذ زار توماس إدوارد لورنس لورنس العرب دمشق بعد سقوطها في نهاية الحرب العالمية الأولى وتوجه إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي حيث استولى هناك على إكليل مذهب من البرونز ونقله إلى بريطانيا وكان مكتوبا عليه هذا التاج تقدمة من صاحب الحشمة والعظمة إمبراطور ألمانيا حضرة فيلهلم الثاني وكان الإمبراطور الذي ترك هذه الهدية بمثابة ذكرى لدى زيارته قبر صلاح الدين خلال حكم الدولة العثمانية قد تنازل عن العرش أيضا في نهاية الحرب العالمية الأولى ومن ثم تشكلت حقبة استعمارية في بلاد الشام والمنطقة العربية تتمثل صورتها المختزلة في هذه السرقة التي أرادت تجسيد نوع من القطيعة بين العهدين العثماني والاستعماري وهو ما يسعى أستاذ التاريخ في جامعة سان دييغو مايكل بروفانس إلى نفيه في كتاب الجيل العثماني الأخير وصناعة الشرق الأوسط الحديث المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2025 الذي نقله إلى العربية أحمد سالم سالم يحاول الكتاب فهم جذور المشكلات التي تواجهها المنطقة اليوم يضيء الكاتب صدمة الانهيار التي شهدها جيل من النخب المدنية والعسكرية ممن ولدوا أواخر القرن التاسع عشر ودرسوا في مؤسسات تعليمية وعسكرية عثمانية حديثة ثم تغيرت حياة كل منهم عقب انهيار الحكم العثماني الوعي الممزق بين عالمين في محاولة لتقديم فهم أكثر عمقا وواقعية للتاريخ ودوره في بناء الذاكرة والهوية في المنطقة يتحدى الكتاب الروايات القومية العربية والاستعمارية التقليدية ويعيد فتح دفاترها عبر تحليل لطبيعة الحداثة العثمانية في القرن التاسع عشر مؤكدا أن الدولة العثمانية لم تكن كيانا مريضا على شفا السقوط إذ شهدت عملية تحديث مستمرة في سبيل إعداد موظفين مدنيين ومواطنين جدد ونخب من الضباط والمسؤولين من خلال المؤسسات التعليمية المتقدمة في إسطنبول وفقا للكتاب أدت هذه المدارس إلى تكوين وعي مشترك يتمثل بالانتماء إلى الوطن العثماني مما أدى إلى تشكيل شخصيات منتمية في مختلف أنحاء الدولة وفي المناطق العربية وهو ما يرى فيه الكاتب تفكيكا للرواية القومية التقليدية التي تزعم أن الهوية القومية العربية كانت حركة انفصالية ضد الأتراك منذ وقت مبكر ويرى بروفانس أن وجود ضباط عرب مثل يوسف العظمة وياسين الهاشمي وفوزي القاوقجي وغيرهما ممن كانوا موالين للدولة العثمانية حتى نهايتها يؤكد أن الولاء للدولة لم يكن عرقيا قوميا بل كان مؤسسيا على نحو يخالف ما صورته الروايات لاحقا فهذه النخب الموالية التي تدربت في الكليات العثمانية الحديثة كانوا جزءا من مشروع الدولة التحديثي ولم يكن ولاؤهم بالضرورة للسلطان أو للعرق التركي وهو ما حملته هذه النخبة معها إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى ووجه مقاومتها إلى المشاريع الاستعمارية الجديدة يتحدى الروايات الاستعمارية حول طبيعة الحداثة العثمانية في الحقبة التي تلت هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى واجه هذا الجيل صدمة كبرى ووجدوا أنفسهم في عالم يبدو جديدا تماما إذ انهارت مؤسستهم الأم وتلاشت أحلامهم وحل محلها اضطراب اجتماعي وتدخل استعماري ويصف بروفانس هذه الصدمة وما تلاها من تحديات خاضها قادة المقاومة الذين تدربوا على التكتيكات العسكرية العثمانية وواجهوا القوى المنتدبة في سلسلة من الثورات المسلحة لم يكن هدف هؤلاء النخب والقادة بناء دولة قومية بمعناها الحديث بقدر ما كان هدفهم الرئيس مقاومة النظام الجديد الذي فرضته القوى الاستعمارية والذي اعتبروه غير عادل وجاء حاملا إلى جانب القوة والسلاح سياسات انتدابية تحمل سردية معدة لسرقة حاضرهم ومستقبلهم وربما وعيهم الذي تشكل في ظلال دولتهم التي سقطت الوقائع ليست صديقة لصفحات التاريخ يشكل رفض بروفانس للمنهج القومي الوطني الصارم أساسا في أطروحة الاستمرارية التي يقدمها في كتابه فبدلا من عرض تاريخ منفصل لكل دولة من الدول الناشئة بعد سقوط الدولة العثمانية ينسج رؤية للمنطقة من منظور مقارن بين مدن مثل بغداد وبيروت ودمشق وحلب والقدس ويبين من خلالها أن النضال ضد الاستعمار لم يكن نضالا محليا منعزلا بل كان جزءا من وعي عثماني مشترك تجاه سقوط النظام القديم ويحاول عبر أطروحته توضيح أن الحدود التي رسمها الاستعمار لم تنجح في محو الروابط القائمة والمستمرة بين النخب في هذه المدن فقد كانت المقاومة المسلحة سواء بقيادة يوسف العظمة في دمشق أو إبراهيم هنانو في حلب مثلا وهي متشابهة في طبيعتها تعد تعبيرا عن الصدمة ذاتها التي أصابت الجيل الأخير هذا الترابط يفسر كيف تبلورت الهويات الوطنية وكيف أن بذور كثير من صراعات المنطقة الحالية قد زرعت خلال تلك الحقبة لم تنجح حدود الاستعمار في محو الروابط بين النخب العربية يعتبر يوسف العظمة شخصية محورية تثبت فرضية بروفانس فقد ولد في دمشق لعائلة عريقة وتلقى تعليمه في الكلية الحربية بإسطنبول حيث تخرج فيها ضابطا محترفا ثم خدم في الجيش العثماني في مواقع مختلفة وبقي مواليا للدولة حتى نهايتها بعد هزيمة العثمانيين شغل العظمة منصب وزير الحربية في الحكومة العربية التي شكلها الأمير فيصل في دمشق وحين وجهت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال هنري غورو إنذارها بضرورة تسليم البلاد رفض الاستسلام رغم إدراكه لضعف قواته العسكرية وقلة تجهيزاتها ولا يمكن تفسير موقفه في معركة ميسلون بحسب الكتاب إلا بالنظر إلى أن موقفه لم يكن مجرد عمل قومي فردي بل كان تتويجا لولائه العميق للمؤسسة العسكرية والدولة التي تدرب فيها لقد اختار المواجهة على الاستسلام رافضا تبني سقوط دولته إلى جانب العسكريين يتناول بروفانس شخصيات من النخبة المدنية مثل عبد الرحمن الشهبندر الذي انخرط في العمل السياسي بعد انهيار الإمبراطورية يعد الشهبندر الذي شغل منصب وزير الخارجية في حكومة فيصل بدمشق من أبرز قادة المعارضة السياسية للانتداب الفرنسي إذ أسس جمعية اليد الحديدية وكان العقل المخطط للثورة السورية الكبرى ومن خلال تتبع المؤلف لمسارات هذه الشخصيات وغيرها يستمر في تأكيد أطروحة الاستمرارية التي يتبناها فموقف الشهبندر في معارضة الاستعمار كان استمرارا لوعيه السياسي الذي تشكل في بيئة الحداثة العثمانية وليس وعيا قوميا جديدا فقط أما تعاون إبراهيم هنانو مع الأتراك في المقاومة فيبرهن مثلا على استمرار الروابط الفكرية والتحالفات التي تشكلت في العهد العثماني مما يتجاوز الحدود القومية المصطنعة التي فرضها الاستعمار وفق أطروحته الولاء للدولة العثمانية لم يكن عرقيا قوميا بل كان مؤسسيا وانطلاقا من ترسيخ هذه الرؤية يقدم بروفانس مراجعة نقدية لاذعة للروايات التاريخية التي هيمنت على فهم تاريخ المنطقة في تلك المرحلة الحرجة أيضا يفكك المؤلف خطاب الاستعمار الذي قدم نفسه على أنه جاء لتحرير الشعوب من الظلم العثماني كاشفا عن التناقض الجوهري في هذا الادعاء مبينا أن القوى المنتدبة لم تكن محررة بل كانت تدمر البنى الحديثة التي أقامها العثمانيون في قرنهم الأخير من مدارس وجامعات وأنظمة إدارية وبنى تحتية يظهر الكتاب كيف أن بعض النخب القومية العربية تبنت بعد الاستقلال الرواية الاستعمارية التي صورت الحقبة العثمانية عصر ظلام وعملت على تسييس الجغرافيا عبر تحويل التقسيمات الإدارية العثمانية وابتكار تمايز ثقافي مصطنع لتعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية وإعادة هندسة الوعي خاصة في سورية ولبنان ولعل هذا كله يعد مفتاحا لإعادة قراءة التاريخ ومحاولة بناء فهم أعمق لجذور المشكلات التي تواجهها المنطقة اليوم كاتب من الأردن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح