من يكمل وجه الجنرال لعبد الكريم الجويطي تاريخ لثورة لم تكتمل
تتحرك الذاكرة داخل رواية من يكمل وجه الجنرال؟ (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2025) للروائي المغربي عبد الكريم الجويطي في ثاني أجزاء رباعيته الروائية ثورة الأيام الأربعة، بوصفها مدونة سردية حاملة لأصوات وصور وأجساد تنتمي إلى متخيل التاريخ (أحداث مولاي بوعزة في منطقة الأطلس المتوسط بالمغرب ضد السلطة عام 1973)، ذلك أن مثلث (الجراب واللوحة والحفرة/ الثكنة) يتحول إلى استعارة كثيفة عن السر السياسي المؤجل (لمَ فشلت الثورة التي قادها محمد البصري الذي كان منتمياً إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الجبل؟).
من هذا المنطلق، يمثل التخييل التاريخي فعلاً يقوم على الإرجاء حيث يتولد الحدث من طاقة التوقع أكثر مما يتولد من حضور فعلي. ومن هنا يتحول الجراب في حلقة السوق (جماعة المتفرجين) إلى نموذج مصغر لبنية الثورة ذاتها مادامت الجماعة (التي تنتظر إخراج لالة طوطو الغمارية من جراب زايد السحار) تعيد إنتاج هذا الانتظار داخل فضاءات الثورة. والدال على رسوخ الانتظارية التفاف الثوار المتحصنين في الجبل حول المذياع، إذ يقتربون من هذا الجهاز الصغير مثلما يفعل المتحلقون حول جراب زايد السحار في السوق. وفي كلتا الحالتين، ينساب الصوت من بعيد، محملاً بنبرة احتفالية، يعلن عن اقتراب موعد الكشف عن القادم المرتقب، ويعمل الصوت كآلة لإنتاج زمن بديل، حيث تتشكل داخل أذهان المستمعين صورة طوطو الغمارية أو صورة مدينة تتحرر، وشوارع تمتلئ بالحشود، ورايات ترفرف فوق أسطح البنايات، مما يولد إحساساً بالحركة داخل فضاء ثابت في رأس المناضل الصغير، بل الأدهى من ذلك أنه يمنح الجماعة شعوراً بالاقتراب من اللحظة الكبرى التي لن تتحقق أبداً ما دام القرار يأتي من الخارج: من قرر اندلاع الثورة لست أنا ولا أنت، ولا القائد، ولا حماد الفكيكي، ولا صاحب المكتبة. من هم في الخارج، هم من قرروا أن الظروف في الداخل نضجت. ومن ثم، فالمذياع، كما الجراب، يتحول إلى وسيط بين الواقع والتوقع. كما يحضر التخييل التاريخي، في الحالتين، بوصفه قوة قادرة على خلق وقائع رمزية داخل الوعي قبل تحققها في الخارج.
ارسال الخبر الى: