الجسد متراس أخير في مواجهة المحو

19 مشاهدة

لا تحتاج السلطة دائماً إلى إشهار السلاح لترسيخ الإخضاع، وإن ظلّت اليد على الزناد؛ فالجسد هو المدخل الأكثر إحكاماً للهيمنة، لا تكتفي السلطة بامتلاك الحيّز المكاني، بل تسعى للتحكّم في كيفية ظهور الجسد، حركته، وتوقيت معاقبته، وصولاً إلى محوه تماماً. من حافلة في القاهرة، إلى زنزانة مُعتمة، وصولاً إلى أرض محتلة؛ تتعدّد الوجوه والأدوات، لكن المنطق يظلّ واحداً: اتخاذ الجسد مُرتكزاً لإطباق السيطرة.

المجتمع: حين يستدعي الجسد عنفه

في واقعة التحرّش بـ مريم داخل حافلة عامة بالقاهرة، لم تكن الصدمة في الفعل الجرمي ذاته فحسب، وإن بقي صادمًا، بل في الهجوم المجتمعيّ الذي تلاها، والاتفاق شبه العام في قطاعات مختلفة هجومًا على الضحية وتجريمًا مبدئيًّا لها، تُرتجلُ مبرّراته فيما بعد، والذي أدّت فيه صحف ووسائل إعلام كبرى أداءًا دنيئًا، بوصفه جزءاً من الحملة.

يمارس المجتمع سلطة مشوّهة (وهي جزء من مُتتالية القهر التي تحكم حياتنا) تتجاوز غياب الدولة والشرطة أو تنطلقُ منها، إذ سلوكها وأداؤها يرسّخان سلوكات وجرائم كهذه، وإن ادّعى الخطاب الرسمي غير ذلك؛ سلطة أخلاقية تُعيد تعريف الجريمة لتصبح نتيجة طبيعية لخروج الجسد عن القالب المرسوم له، والذي ينتظر أن يستجيب لكلّ تغيّر مُتوقّع منه من دون اطلاعه عليه أيضاً.

تسعى السلطة للتحكّم في كيفية ظهور الجسد، حركته، وتوقيت معاقبته، وصولاً إلى محوه تماماً

هنا لا يُعامل جسد المرأة بوصفها ذاتاً حرّة، بل مساحة مُشاعة يُستباح ضبطها وتقويمها، التحرّش في هذا السياق لا يُدان، ولا يتمّ التعامل معه بوصفه موضع تحقيق أيضاً، بل تُهاجم الضحية وتصبح هي موضع الاستجواب، بينما يتوارى الجاني خلف الستر المجتمعي، والذكوري والديني والأمني والسياسي (تكاتف نهش). إنّها السلطة التي تُمارس باسم الطبيعي والمألوف وتعاقب على علو الصوت وسوء الأدب حال صراخ الضحية أو شكواها، وهي لا تقلّ قسوة عن بطش الدولة أو لعلّها جزء منه، إذ تجرّد الإنسان من ملكية جسده وتحوّله إلى ملكية عامة.

الدولة: الجسد رسالةَ ردع

بينما يمارس المجتمع سلطة الوصاية، تنتقل الدولة إلى السلطة العارية في تعاملها مع أجساد

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح