بين ماضي الجزائر وحاضرها لماذا تغالب شخصيات سعيد خطيبي مجرى التاريخ

103 مشاهدة
يرفض بعضهم البحث عن العدالة ولا يريد آخرون اكتشاف الحقيقة أما الذين أرادوا الوصول إليهما وتحولوا إلى ضحايا فكثيرون تختصر حكاياتهم وآلامهم امرأة هي بطلة رواية أغالب مجرى النهر دار نوفل 2025 الحائزة أول من أمس الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر 2026 إذ لا تكتفي بسرد حكاية تقليدية عن القمع بل تتوجه لاستكشاف المعنى الأوسع للإنسان القابع تحت وطأة تاريخ يعيد إنتاج مآسيه في تفاصيل الحياة اليومية nbsp عدالة غارقة في مجرى التاريخ يستجوب رجل الأمن طبيبة العيون عقيلة تومي بطلة الرواية التي تهرب كل مرة من المكان والزمان في الحاضر إلى مزيج من الأحداث والذكريات والتفاصيل ثم تعود إلى المحقق بأسئلة لا إجابات وتنظر إليه وكأنه مستعد للنقاش بخصوص ما مرت به من آلام وتجارب في حياتها تجعلها جديرة بأن تكون ضحية لا مجرمة مما يفتح التساؤل بخصوص القدرة على تحقيق العدالة التي يحاول المؤلف تتبع مصيرها من خلال مصير عقيلة بحثا عن العدالة بمفاهيمها الاجتماعية والثقافية والسياسية تجسد عقيلة التي تروي بنفسها أحداث القسم الأول من الرواية محاولة لهزيمة العمى الذي يحيط بها وبمجتمعها فرغم القالب البوليسي الذي وضعه سعيد خطيبي إلا أن البحث عن الحقيقة يتجاوز مجرد العثور على قاتل فالمحقق يشتبه بها في قتل زوجها الطبيب الشرعي مخلوف التومي لكنه كلما حاول استجوابها بأسلوب تقليدي تفاجئه عقيلة بأن الذي يبحث عنه بعيد المنال وأنه يحتاج إلى محاكاة سيرة مدينة كاملة وبلد بحجم الجزائر للوصول إلى حل تذهب أبعد من قالبها البوليسي في تفكيك مأساة المجتمع nbsp يتضح أن تحقيق العدالة مجرد عبث حين تروي عقيلة كيف كانت تزور المشرحة للحصول على قرنيات لإعادة البصر إلى مرضاها الذين لا يعانون العمى البيولوجي فقط برأيها بل إنهم ضلوا طريقهم في الحياة وأعمتهم الظروف الراهنة للابتعاد عما حاولوا تحقيقه فيما مضى بل والتوقف عن محاولة تحقيق أي شيء في المستقبل مثل شخصية المناضلة شهلة البرق التي كانت تحمل مبادئ قوية وواضحة أيام الثورة التي كانت إحدى بطلاتها وصولا إلى فقدانها البصيرة والذكريات بعد أن تلاشت منجزات الثورة ولم يبق لها سوى خوف يدفعها لوصم الناس إما بالخيانة أو الإخلاص وهو حكم تطلقه على الآخرين هروبا من خساراتها تكشف عقيلة عن هذا الخوف المشترك مع شهلة ونساء أخريات الذي يرافقها منذ الطفولة قادما من أم قاسية وأب لا يبالي وصولا إلى زوجها مخلوف وعدم مبادلته إياها مشاعر حب أو تفاهم ويتجلى الخوف لا بتعبيرها الواضح عنه فقط بل ضمنيا عبر محاولاتها مساعدة الآخرين بطريقة غير أخلاقية ولا قانونية لعلاج أعينهم مما يصورها كمن يحاول انتزاع العدالة والحقيقة من أجساد الميتين ومنحها للأحياء مما يجعل المخاوف تكبر أكثر فأي رؤية هذه التي سيملكها الحاضر إن نظر إلى الحياة بأعين الموتى nbsp يظهر هذا الفعل حالة من عدم اليقين ويعكس صورة للفضاء العام المليء بالقلق وصراع الذاكرة مع النسيان وصراع الفرد مع الجماعة الذي امتد منذ منتصف القرن العشرين وصولا إلى أحداث العشرية السوداء وهو زمن الرواية التي يكون عزوز خالدي والد عقيلة بطلا لقسمها الثاني ليكشف أن فكرة النهر التي حملها العنوان تجسد التداخل الزمني الذي بدأته عقيلة باستعادة ماضيها وأكمله والدها إذ يبدوان كمن يقاوم التاريخ الذي يتدفق كتيار مائي لا يمكن إيقافه وكل محاولة لمغالبته تنتهي إما بالغرق أو الاستسلام nbsp تكرار المأساة قدرا اجتماعيا nbsp لا يتوقف الكاتب عند عقيلة التي تحاول إصلاح رؤية الناس معنويا وتغرق في الآن ذاته بالعمى الذي يعانونه بل يتجاوز هذا وصولا إلى الجذور حين يبدأ والدها عزوز قصته إذ كان رجلا مناضلا وأصبح متهما بالخيانة وهو يحمل على ظهره علامة كي تعد وصمة يوصم بها الخونة ولا تكشف عادة إلا بموت صاحبها الذي يبذل معظم حياته لإخفائها وهي تجسد صورة من صور الظلم الاجتماعي فالمناضل عزوز انتهت رحلته النضالية برجل فقير ماديا ومنبوذ اجتماعيا فيما تظهر الرواية رجالا آخرين أصبحوا مرموقين مثل الصحافي بودو رفيق عزوز الذي أصبح صحافيا مشهورا تؤكد الرواية أن العنف يقيد الإنسان ويجعل التغيير شبه مستحيل nbsp nbsp تتسع التناقضات أكثر فأكثر حين تظهر شخصيات رمزية أخرى في الرواية مثل ميلود وابنته ريما التي تحاول إجهاض طفل غير شرعي نتيجة اعتداء مخلوف عليها مما يحيل عقيلة إلى ماضي والدها الذي أحب ياقوت وهي امرأة تدير بيت دعارة فأنجب منها طفلا سلمته لعائلة أخرى حتى تتخلص منه لتظهر صورة الابن الذي يكرر أخطاء أبيه في شخصية ميلود أخيها مما يحيل مرة أخرى إلى فكرة حتمية التاريخ الذي يسمح بتكرارnbsp المآسي التي فشل الآباء والثوريون والأشخاص الذين يجسدون مهمات أخلاقية وإنسانية كالأطباء مثلا في حماية أبنائهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم منها nbsp حرية مؤجلة الإنسان في قبضة التاريخnbsp ربما ينتمي السرد في رواية سعيد خطيبي إلى جرأة تمثل أحد أهداف الأدب بوصفه وسيلة لتعرية الواقع والمجتمع وهو هدف يقدم الكاتب بوصفه أديبا وإنسانا معا يبحث عن إجابات لسؤال محوري هل يمتلك الإنسان إرادة حرة لتغيير واقعه يفتح السؤال الأبواب للبحث في حق الإنسان بالعدالة والتخلص من وطأة الرقابة الاجتماعية السلطوية والبحث عن أسباب تردي الوضع الراهن المحيط به الذي يتجسد في الخوف والصمت والعنف العائلي والفجوة بين الأجيال إضافة إلى الأمومة المثقلة بالقلق والرغبة في العثور على الحب والأمان اللذين تفتقدهما الأم وتحاول في الآن ذاته منحهما إلى أبنائها وإذا كانت عقيلة أما وامرأة وطبيبة متهمة بتسميم زوجها فإنها في الآن ذاته خسرت أكثر بكثير من مجرد احتمال سجنها وتدهور حياتها فلا المحقق يستطيع أن يحقق العدالة بسجنها ولا هي انتصرت إن كانت قتلت زوجها حقا فرغبة الانتقام لا تحقق لها أيا من آمالها تماما كما لم يحقق مجتمعها شيئا من خلال الصمت والخوف والانتقام بل انتقل بعد عام 1992 إلى دوامة عنف لم ينتج عنها أي تغيير نجح سعيد خطيبي في تحويل الجريمة إلى عتبة لفهم بنية مجتمعية معقدة وجعل من مدينة بوسعادة في الراوية مسرحا عالميا لمساءلة التاريخ متجاوزا المساءلة الفكرية للراهن العربي في إشارة ربما يكتشفها القارئ بخصوص راهن عالمي يرزح تحت وطأة التفكك والحروب حيث يصبح الأدب في العديد من الأحيان الأداة الوحيدة القادرة على تعرية الحقائق التي يحاول مجرى التاريخ إغراقها nbsp nbsp كاتب ومترجم من الأردن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح