الجزائر وإعادة تشكيل الدور العربي
في ظلّ التحوّلات المُتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، يعود السؤال حول موقع العرب ودورهم الإقليمي والدولي إلى الواجهة من جديد، خاصّة في ظلّ تصاعد الصراعات الجيوسياسية، واستمرار التوتّرات في الشرق الأوسط، وتداخل ملفات الطاقة والأمن والسياسة. وفي هذا السياق، تبرز الجزائر باعتبارها إحدى الدول العربية التي تسعى إلى إعادة صياغة دورها الإقليمي عبر الجمع بين الدبلوماسية السياسية والتموضع الاستراتيجي في معادلات الطاقة والأمن.
يستند هذا التحليل إلى فكرة مركزية طرحها المُفكّر والدبلوماسي اللبناني شارل مالك، الذي أكّد أنّ التوازن السياسي والصراع الدولي هما في النهاية توازن قوى واقعية لا صراع حجج. وهي مقولة تبدو اليوم أكثر حضوراً في واقع عربي تتراجع فيه أدوات التأثير الجماعي لصالح مقاربات فردية متباينة بين الدول.
في هذا السياق، تحاول الجزائر إعادة تعريف موقعها ضمن النظام الإقليمي من خلال مسارين متوازيين: الأوّل سياسي دبلوماسي يرتكز على تاريخها في دعم قضايا التحرّر، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، والثاني اقتصادي استراتيجي يقوم على تعزيز دورها في أسواق الطاقة العالمية، بما يجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات المتوسّط وأفريقيا.
ممرّ استراتيجي ينقل الغاز من حقول شمال نيجيريا عبر الصحراء الكبرى إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الأوروبية عبر شبكة التصدير المتوسطية
ويُعدّ مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء أحد أبرز تجليات هذا التحوّل الاستراتيجي. فقد انطلقت مراحله التمهيدية والتنسيقية بشكل فعلي في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين (2022–2023)، بين نيجيريا والنيجر والجزائر، بهدف إنشاء ممرّ طاقوي استراتيجي ينقل الغاز من حقول شمال نيجيريا عبر الصحراء الكبرى إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الأوروبية عبر شبكة التصدير المتوسطية.
وقد شهد المشروع تقدّماً ملحوظاً، حيث تمّ إنجاز ما يقارب 60% من مراحله التمهيدية والفنية والتنسيقية حتى الآن، مع الانتقال التدريجي إلى المرحلة العملية النهائية. وتُشير التقديرات الحالية إلى إمكانية دخول المشروع حيز الخدمة بين عامي 2030 و2033، في حال استكمال متطلّبات التمويل والبنية التحتية وضمان الاستقرار الأمني في مناطق العبور.
ويمثّل هذا المشروع أحد أضخم مشاريع الطاقة في القارة الأفريقية، نظراً
ارسال الخبر الى: