الجزائر الإصلاح والإكراهات
في الدول التي تتمتع برسوخ نسبي في الممارسة الديمقراطية، لا توجد سلطة مستقلة لإدارة الانتخابات، في الغالب تستحدث هيئة كهذه لغرض يتيح المرور من مرحلة انتقالية، تلك التي تلي ثورة أو تغييراً سياسياً شاملاً يمس هياكل النظام ويخلخل السلطة، بحيث لا يكون فيه الاطمئنان كاملاً إلى حيادية وزارة الداخلية في الاستحقاقات الانتخابية الجديدة. في الحالة الجزائرية، استحدثت السلطة المستقلة للانتخابات بعد الحراك الشعبي عام 2019، وأنجزت في أعقاب ذلك خمسة استحقاقات انتخابية، بينها انتخابان رئاسيان، 2019 و2024. كانت تلك المرة الأولى التي يتم فيها استبعاد وزارة الداخلية من العملية الانتخابية. ومع كثير من التحسن، لا يجزم أي فاعل سياسي بحدوث تحول مثالي في إدارة الانتخابات على صعيد الشفافية وتكافؤ الفرص، وحيادية الإدارة بشكل كامل، إذ كان لا بد للمراحل السابقة أن تبقى بعضاً من آثارها وممارساتها الشائنة، تلك التي عبر عنها الرئيس السابق لسلطة الانتخابات محمد شرفي عام 2019 بالسوسة المدسوسة.
عمر سلطة الانتخابات في الجزائر خمس سنوات فحسب، والمطروح ضمن التعديل الدستوري الجديد، إعادة توزيع الصلاحيات في تنظيم الانتخابات بين وزارة الداخلية لتحوز التحضير التقني واللوجيستي للاستحقاقات الانتخابية، بينما تحتفظ سلطة الانتخابات بالإشراف الرقابي. يعطي ذلك صورة واضحة إلى أي مدى ما زالت الانتخابات في الجزائر، تشكل مأزقاً سياسياً عويصاً، يطرح أسئلة ويثير شكوكاً، ويسيل الكثير من الحبر والقراءات بعد، والحال هذا لأسباب عديدة تتداخل، ضمن بيئة سياسية تهيمن عليها مؤسسات الحكم، وعلاقة غير متوازنة بين المجتمع والحزب والسلطة.
هل كانت سلطة الانتخابات في الجزائر بحاجة إلى إصلاح وتطوير؟ نعم، لكن هل كان خيار تحجيم صلاحيات التنظيم التقني لرصيدها هو الحل الوحيد المتاح؟ ليس كذلك بالضرورة لو جرى التفكير بصورة أكثر تشاركية مع المجتمع السياسي. في الغالب، إن المعالجات القلقة والتي تأتي تحت ضغط عامل الزمن (استدعاء الهيئة الناخبة سيتم في غضون شهر على الأكثر)، وإكراهات المواعيد السياسية وحسابات أخرى، سريعا ما تظهر محدوديتها وتحيل إلى المراجعة مرة أخرى، وهذه واحدة من المعضلات التي تفسر سرعة تغيير القوانين والقرارات
ارسال الخبر الى: