الثقافة كأفق فلسفي بين المعرفة والتاريخ
من غير المنطقي فهم الثقافة إبستمولوجياً بوصفها مجرّد تراكم للمعارف أو امتداداً للعادات والتقاليد والقوالب الأيديولوجية، وإنّما تُفهم على اعتبارها الحقل الذي يتشكّل فيه الوعي الإنساني وتتكوّن في داخله بنية وجودية. إنّها ليست تجميلاً مُضافاً إلى الوجود، بل أقرب إلى شرطه الداخلي، إذ من خلالها ينتقل الإنسان من الطبيعة إلى التاريخ، ومن المُعطى المُباشر إلى رمزية الأفق الذي يمنحه القدرة على الفهم والتأويل والتفسير. فالثقافة بهذا المعنى ليست محتوىً ثابتاً أو قالباً وجودياً مشروطاً بقوانينه المتعيّنة، بل سيرورة دينامية تتعيّن عبر جدلية التفاعل بين الذات والعالم، حيث يغدو التفكير نفسه نتاجاً ثقافياً، وتغدو الحقيقة فضاءً مفتوحاً لا معطى ناجزاً.
إنّ القيم المعرفية للثقافة تتمظهر في قدرتها على تشكيل أنماط للفهم تتجاوز حدود الإدراك الحسي المُباشر، لتمنح التجربة الإنسانية اتساقها الداخلي. فهي لا تقف عند حدود نقل المعرفة، بل تُعيد إنتاجها من خلال التأويل وإعادة البناء، بحيث تصبح المعرفة نتيجة لحركة جدلية بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ومن هنا، تشتمل الثقافة على توتّر خلاق بين الثابت والمتحوّل، بين الموروث والتجديد، وهو توتّر يمنحها طبيعتها الحيوية، ويجعلها مُهيّأة لأن تكون أداة للتحرّر أو سبيلًا للانغلاق، تبعاً لطبيعة استعمالها داخل البنية الاجتماعية التكوينية.
ويبرز اختلاف الثقافات بوصفه اختلافاً جوهرياً وطبيعياًً في صور إدراك العالم، لا مجرّد تباين في المظاهر الخارجية. فكلّ ثقافة تؤسّس نظامها الرمزي الوجودي الخاص، الذي يعكس شروط تحقّقها التاريخية الاجتماعية، ويحدّد سُبل إنتاجها للحقيقة. غير أنّ هذا التباين لا يعني القطيعة، بل يكشف عن إمكان التواصل في مستوى أعمق، حيث يصبح الآخر الثقافي شرطاً لإدراك حدود الذات. فالاختلاف أو التباين، في جوهره، ليس نقيضاً للوحدة، بل هو ما يمنحها معناها وتميّزها، إذ من خلاله يتكشّف الطابع النسبي لكلّ رؤية، ويُفتح المجال أمام فضاء معرفي أكثر شمولاً للفهم.
ليست غاية الثقافة الوصول الى تحقيق انسجام نهائي، بل في إبقاء الفكر حرّاً في حالة انفتاح دائم
وفي سياقها التاريخي، تتجلّى الثقافة كصيرورة متدفّقة لا تعرف الثبات، بل ترتقي عبر
ارسال الخبر الى: