التوسع الأيديولوجي وصراع الزعامة في الشرق الأوسط على حساب قضايا الشعوب ودمائها

في ذلك المساء القاتم من تاريخ أمتنا العربية، حين اشتعلت فتائل الفتنة الأولى فيما سمي زورًا وبهتانًا بالربيع الاخواني الفوضوي، لم يخطر ببال أحد من أبناء هذه الأمة المغلوبين على أمرهم أن ما يحدث ليس إلا الشرارة الأولى في حريق هائل سيأتي على الأخضر واليابس، حريق لم يكن قط بريئًا في نشأته ولا عفويًا في امتداده، بل كان حلقة من حلقات مشروع أكبر وأخطر، مشروع تتقاطع فيه المصالح وتتصادم فيه الإرادات، وتذوب فيه معاني الأخوة والجوار في بوتقة واحدة ملتهبة لا تهدأ ولا تستقر، وكأنما أراد لهندسة هذا المشروع أن تكون الشعوب العربية هي الوقود الرخيص في محرقة الصراع على الزعامة، وأن تكون دماؤها الزكية هي العملة التي يُدفع بها ثمن التوسع الأيديولوجي الأعمى للدول التي تدعم وتحتضن هذه الأيديولوجيات القاتلة.
لقد دخلت المنطقة العربية، منذ اللحظة الأولى التي انفرط فيها عقد النظام الإقليمي القديم، في دوامة عاتية من الصراع والتفكك لم تشهد لها مثيلًا في تاريخها المعاصر كله، دوامة لا تعرف الرحمة ولا تبقي على شيء من التراث المشترك الذي ظل يجمع أبناء العروبة على اختلاف أقطارهم وألسنتهم، وإذا بالمنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط برمتها تتحول إلى رقعة شطرنج عملاقة يتبارى فيها اللاعبون الكبار بدماء الأبرياء وأشلاء المدنيين، وإذا بالقوى الإقليمية التي تدعم التوجهات الأيديولوجية السنية منها والشيعية على حد سواء تجد في هذه الفوضى الخلاقة ضالتها المنشودة، وتستغل تلك الأيديولوجيات الدينية المقيتة استغلالًا بغيضًا لم يعد خافيًا على أحد، سواء أكانت هذه الأيديولوجيات شيعية ترفع راية الولاية والوصاية، أم سنية ترفع لواء الخلافة والإمارة، وكأنما اتفق الفريقان على أن يجعلا من الدين مطية لتحقيق أحلام التوسع والزعامة في إدارة الشرق الأوسط المضطرب.
غير أن هذه الزعامات الأيديولوجية التي نشأت وترعرعت على أنقاض الدول لم تكن يومًا محسوبة العواقب ولا مقدرة للتبعات، بل اندفعت في غيّها وغلوائها دون أن تكلف نفسها عناء التفكير في مستقبل المنطقة أو مصير شعوبها، فإذا بالمنطقة برمتها تدخل في حروب غير محسوبة العواقب ولا
ارسال الخبر الى: