التوزيع العادل للرموز الثقافية
في سياق التحوّلات العميقة التي يعرفها النقاش العمومي حول الديمقراطية والهُويّة في المغرب، تبرز مسألة التوزيع العادل للرموز الثقافية باعتبارها مدخلًا عمليًا لفهم شروط الاندماج المجتمعي وبناء المواطنة المتساوية. فالديمقراطية لا تُختزل في بعدها الإجرائي أو في التوزيع العادل للثروات المادية فحسب، بل تقوم، في معناها العميق، على عدالة شاملة تشمل البعد الرمزي والثقافي، أي على الاعتراف المُتوازن بمختلف الهُويّات واللغات والذاكرات التي تُكوِّن المجتمع. ومن هذا المنظور، يغدو سؤال الهوية مُرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بكيفيّة تدبير الدولة للتعدّد، وبمدى قدرتها على تحويله من عامل توتّر وإقصاء إلى رافعة للتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.
في هذا الإطار، يثير المُفكّر حسن أوريد، وهو أحد أبرز الأصوات الفكرية التي انشغلت بإشكالية الهُويّة في علاقتها بالدولة، نقدًا للتصوّر الأحادي لـالدولة–الأمة، ودعوة إلى أفق بديل هو الدولة–الحضارة. ويقترن هذا التصوّر لديه بمفهوم آخر يتعلّق بالتوزيع العادل للرموز الثقافية، كما استحضره في أحد اللقاءات استنادا إلى أحد الكتاب الأميركيين المُهتمين بقضايا الهُويّة، وذلك في سياق حديثه في لقاء عن دلالات الاحتفال بـالسنة الأمازيغية. فحسب أوريد، لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي مُندمج إذا اقتصر مفهوم العدالة على بعدها المادي، لأنّ الاندماج الحقيقي لا يتحقّق إلا حين يشمل الاعتراف الرمزي والثقافي الذي تتشكّل داخله هُويّات الأفراد والجماعات.
إنّ التماسك الاجتماعي لا يقوم على توزيع الموارد الاقتصادية وحدها، بل يتأسّس كذلك على العدالة الرمزية التي تشمل الاعتراف باللغات، والتاريخ، والذاكرة الجماعية، والمرجعيات الثقافية لمختلف مكوّنات المجتمع. فالديمقراطية، في جوهرها، لا تضمن فقط تكافؤ الفرص المادية، بل تضمن أيضًا التمثيل المُنصف للرموز والمعاني والقيم التي تُحدّد مكانة الأفراد والجماعات داخل الفضاء الوطني. ويؤدي الإقصاء الرمزي، مهما كان خفيًا أو غير مباشر، إلى الإحساس بالتهميش وفقدان الاعتراف، وهو ما ينعكس سلبًا على الشعور بالانتماء ويقوّض أسس الاندماج الوطني.
يؤدي الإقصاء الرمزي، مهما كان خفياً أو غير مباشر، إلى الإحساس بالتهميش وفقدان الاعتراف
وتكتسي قضايا الهُويّة أهمية مركزية في بناء مجتمع مُتماسك، لأنها تمسّ جوهر وجود الفرد وكرامته، وتحدّد علاقته بذاته وبالآخرين وبالدولة.
ارسال الخبر الى: