التقشف يحدد مصير بايرو 8 حكومات فرنسية سقطت بسبب الاقتصاد

73 مشاهدة
تترقب فرنسا اليوم الاثنين 8 سبتمبر أيلول 2025 تصويت الجمعية الوطنية على الثقة بحكومة رئيس الوزراء فرنسوا بايرو في لحظة حاسمة قد تحدد ليس مصير الحكومة فقط بل مستقبل ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه ويأتي هذا الاستحقاق في ظل أزمة ديون غير مسبوقة إذ بلغ الدين العام منتصف يونيو حزيران 2025 نحو 3 345 تريليونات يورو 113 9 من الناتج المحلي الإجمالي بزيادة 185 مليار يورو خلال عام واحد فقط فيما يصر بايرو على تمرير خطة تقشفية ضخمة بقيمة 44 مليار يورو رغم المعارضة الواسعة من اليمين واليسار والنقابات العمالية وكشفت نيويورك تايمز أنه في حال رفض البرلمان هذه الخطة خلال التصويت المرتقب فإن بايرو سيضطر إلى الاستقالة ما يجعل ماكرون في موقف صعب لتعيين رئيس وزراء جديد قادر على معالجة العجز المالي وواجه ماكرون أزمة حادة بعد إعلان بايرو وضع خطة لإصلاح الميزانية تشمل خفض الإنفاق العام بـ44 مليار يورو وزيادة الضرائب وبموازاة الاضطرابات الاقتصادية والسياسية تستعد فرنسا لموجة احتجاجات ومظاهرات وإضرابات ومقاطعة واسعة مع إعلان حركة لنغلق كل شيء الدعوة إلى شل البلاد في الـ10 من سبتمبر الحالي احتجاجا على مشروع الميزانية المقترح من رئيس الوزراء فرانسوا بايرو الذي يواجه تهديدا بسقوط حكومته فالنقابات وعلى رأسها الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للشغل CFDT أعلنت تنظيم يوم تعبئة وطني بعد غدا الأربعاء تحت شعار لنشل كل شيء معتبرة أن الخطة تضرب المتقاعدين والقطاع الصحي ويعيد التحرك إلى الأذهان مظاهرات السترات الصفراء التي انطلقت في فرنسا عام 2018 ضد زيادة أسعار الوقود التي استقطبت عشرات الآلاف من المحتجين الذين انتابهم شعور بغياب العدالة الاقتصادية وفي البرلمان أعلنت كتل يسارية ويمينية رفضها منح الثقة ما يجعل حكومة بايرو أمام تحد شبه مستحيل ويبدو أن مشروع الموازنة الذي قدمه بايرو أيقظ شعورا بالظلم والغبن الاجتماعي لدى فئة من الفرنسيين الذين يعانون منذ سنوات من تضخم مرتفع للأسعار وتراجع القدرة الشرائية من جانبه حاول وزير المالية إريك لومبارد تهدئة المخاوف عبر مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز في 3 سبتمبر الحالي مؤكدا أن سقوط حكومة بايرو سيجعل خطة خفض العجز أقل طموحا لكنه شدد على إمكانية تمرير ميزانية قبل نهاية العام سواء بقي بايرو أو جاء خلفه وقال الخبير المالي الفرنسي ألان أتاسي مدير بنك الاستثمار N M Capital Co في باريس لـالعربي الجديد في عهد بايرو جاءت خطة تقشفية بـ44 مليار يورو عبر إلغاء عطلات ورفع ضرائب لكن غياب الحوار الاجتماعي واستهداف الفئات الوسطى والفقيرة فجرا رفضا شعبيا واسعا سقوط بايرو شعبيا وعلى المستوى العام أظهر استطلاع لمعهد إيفوب لصالح صحيفة جورنال دو ديمانش أن رضا الفرنسيين عن ماكرون لا يتجاوز 19 بينما بلغت نسبة عدم الرضا عن بايرو 82 وهو مستوى قياسي تاريخي لا يضاهيه إلا ما حققته رئيسة الحكومة إديث كريسون عام 1991 في عهد ميتران واستطلاع آخر لمعهد أودوكسا كشف أن 51 من الفرنسيين يطالبون باستقالة ماكرون نفسه وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة السوربون كميل الساري لـالعربي الجديد كان من الممكن تمرير ميزانيات إصلاحية رغم ما تحمله من تضحيات شرط أن ترفق بخطة واضحة للحد من المديونية لكن في ظل غياب أغلبية واضحة أصبح تمرير أي ميزانية أمرا صعبا أما الخبير الاقتصادي الفرنسي باسكال داليما كبير المحللين في شركة بزنيس نوليدج مانجمنت كونسلتينغ للاستشارات فقال لـالعربي الجديد الاقتصاد بات الحكم الأول والأخير في مصير الحكومات الفرنسية بارنييه الميزانية التي أطاحت الحكومة في 5 سبتمبر 2024 لجأ ماكرون إلى شخصية أوروبية وازنة فعين ميشيل بارنييه رئيسا للحكومة معولا على خبرته الطويلة في بروكسل ومكانته مفاوضا رئيسيا للاتحاد الأوروبي في ملف بريكست غير أن هذه الخبرة لم تحم حكومته من امتحان قاتل مشروع قانون المالية لعام 2025 وفي 27 سبتمبر 2024 قدمت الحكومة مشروع الميزانية للبرلمان ليكشف عن عجز يتجاوز 5 8 من الناتج المحلي الإجمالي وأكد تقرير ديوان المحاسبة في أكتوبر تشرين الأول الماضي أن الحسابات العامة تفتقر إلى مسار قابل للتصحيح فيما حذرت وكالة فيتش في 20 أكتوبر الماضي من أن فشل تمرير الميزانية سيقوض مصداقية فرنسا ماليا وبدورها لوحت وكالة موديز بمراجعة سلبية قد تضعف مكانة فرنسا في الأسواق إزاء ذلك لجأ بارنييه إلى المادة 49 3 من الدستور لتمرير الميزانية دون تصويت لكن النتيجة كانت مواجهة سياسية مفتوحة وفي 4 ديسمبر كانون الأول 2024 صوت البرلمان على مذكرة حجب ثقة بـ331 صوتا ما أدى إلى انهيار الحكومة وفي اليوم التالي قدم بارنييه استقالته بعد أقل من مئة يوم لتسجل حكومته كأقصر حكومات الجمهورية الخامسة عمرا أتال أصغر رئيس وزراء يسقط بالأرقام في 11 يناير كانون الثاني 2024 عين ماكرون أصغر رئيس وزراء في تاريخ الجمهورية الخامسة غابرييل أتال لكنه سرعان ما وجد نفسه رهينة الأرقام ففي مارس آذار 2024 أكد المعهد الفرنسي للإحصاء أن الدين العام ارتفع إلى 112 5 من الناتج المحلي فيما استقر العجز عند 5 5 وفي يوليو تموز 2024 شددت المفوضية الأوروبية على ضرورة خفض النفقات بما لا يقل عن 20 مليار يورو وحذر باتريك أرتوس كبير المحللين في بنك ناتيكسيس في مقابلة مع صحيفة ليزيكو من أن الأسواق لم تعد تثق بقدرة فرنسا على إصلاح ماليتها أي رئيس حكومة سيصبح رهينة لهذه الأرقام لم تفلح صورة أتال الشابة في مواجهة هذه الضغوط فاستطلاع إيفوب لصالح باريس ماتش في سبتمبر 2024 أظهر أن شعبيته لم تتجاوز 22 وهو أدنى مستوى لرئيس وزراء في عهد ماكرون وبعد ثمانية أشهر فقط قدم استقالته عقب الانتخابات المبكرة التي تلت حل البرلمان في يونيو حزيران 2024 وقال الخبير باسكال داليما لـالعربي الجديد معلقا على تلك الأرقام الدين والعجز ليسا مجرد أرقام بل قيود تستنزف النمو وتقلص هوامش المناورة خصوصا في الاستثمارات المستقبلية بورن ضريبة التقاعد التي أشعلت الشارع بعد فوز ماكرون بولاية ثانية في إبريل نيسان 2022 أحدث قطيعة رمزية بتعيين إليزابيث بورن في 16 مايو أيار 2022 لتكون ثاني امرأة تتولى رئاسة الحكومة لكنها وجدت نفسها سريعا في مواجهة ملف إصلاح التقاعد وفي يناير 2023 أعلنت الحكومة رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاما فجرت الخطوة احتجاجات واسعة إذ شارك 1 12 مليون متظاهر في 19 يناير وبلغت التعبئة ذروتها في 7 مارس 2023 مع 1 28 مليون متظاهر وفق الداخلية 3 5 ملايين وفق النقابات لكن الإصلاح سقط سياسيا قبل دخوله حيز التنفيذ ففي ديسمبر 2023 كشف استطلاع لمعهد إيفوب لصالح لوفيغارو أن 67 من الفرنسيين يرفضون الإصلاح و54 يطالبون باستقالة الحكومة وتحت ضغط الشارع استقالت بورن في 8 يناير 2024 بعد 20 شهرا فقط وقال الخبير كميل الساري لـالعربي الجديد فشل إصلاح التقاعد كان دليلا على أن أي إصلاح مالي في فرنسا محكوم عليه بالاصطدام بالشارع في ظاهرة تعود إلى إرث الثورة الفرنسية كاستكس سياسة مهما كلف الأمر مع اجتياح جائحة كوفيد 19 تبنت حكومة جان كاستكس سياسة مهما كلف الأمر حيث التزمت الدولة توظيف كل الوسائل المالية لحماية المواطنين النتيجة كانت قفزة الدين العام من 99 1 في 2019 إلى 111 1 في 2020 ثم 115 2 في 2021 وقال الخبير الاقتصادي كميل الساري لـالعربي الجديد المساعدات التي قدمتها الحكومة خلال الجائحة كانت استثنائية وفاقت ما منحته باقي الدول إلى حد أن أرباب العمل عبروا عن رضاهم الكبير لكنه أضاف الأخطاء اللاحقة مثل دعم أسعار الوقود بعد حرب أوكرانيا وانحرافات نظام المساعدات الضريبية التي استفاد منها الأثرياء والشركات وحتى بعض العاطلين زادت من شعور بعدم العدالة وأضعفت فعالية السياسات وفي يناير 2022 نبه صندوق النقد الدولي في تقريره إلى أن الاعتماد المفرط على التمويل سيقيد الحكومات المقبلة ورغم بقاء حكومة كاستكس حتى نهاية الولاية الأولى فإنها خلفت اقتصادا مثقلا بالديون شكل قاعدة سقوط خلفائها فيليب بداية الغضب مع السترات الصفراء مع بداية عهد ماكرون عين إدوار فيليب في مايو 2017 رئيسا لأول حكومة مهمتها تنفيذ إصلاحات ليبرالية شملت تحرير سوق العمل وخفض ضرائب رؤوس الأموال وفرض ضريبة بيئية على الوقود لكن تقرير ديوان المحاسبة في يونيو 2018 حذر من أن هذه الإصلاحات غير كافية للسيطرة على العجز الهيكلي وفي نوفمبر تشرين الثاني 2018 انفجرت أزمة السترات الصفراء إثر إعلان زيادة ضريبة الوقود وربط تقرير المفوضية الأوروبية عن فرنسا فبراير شباط 2019 هذه الاحتجاجات بمخاوف أوسع حول القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية معتبرا أنها لم تكن رفضا لزيادة ضريبية فحسب بل تجسيدا لإحباط اجتماعي عميق ورغم تراجع الحكومة جزئيا عن بعض الإجراءات ارتفع العجز إلى 3 1 عام 2019 كان 2 6 في 2017 ما دفع المفوضية الأوروبية إلى إعادة فرنسا تحت مراقبة العجز المفرط محذرة من أنها تخاطر بعدم التزام القواعد الأوروبية ومع تفاقم الغضب الشعبي وتآكل الثقة قدم فيليب استقالته في 3 يوليو 2020 ومنذ 2017 شهدت فرنسا تعاقب ثماني حكومات بمعدل لم يتجاوز 400 يوم لكل منها جميعها سقطت أمام جدار الدين والعجز وضعف النمو وماكرون الذي قدم نفسه رئيسا إصلاحيا قادما من عالم المال وجد أن الاقتصاد لا يرحم وأن الأسواق والأرقام أقوى من أي خطاب سياسي وما يجري في فرنسا لم يعد أزمة داخلية فقط بل إنذارا أوروبيا وعالميا بأن الديمقراطيات الحديثة باتت رهينة الأرقام والمعايير المالية أكثر من أي وقت مضى

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح