التعددية الثقافية من الإنكار إلى الاعتراف
ظلّت السياسات العامة المتّبعة من الدولة السورية، لا سيما في عهد البعث والأسدَين، قائمة على تجاهل متعمّد للتنوع الثقافي واللغوي، بل على نفيه وقمعه عند الضرورة، ما حوّل التعددية الطبيعية في البلاد إلى ما يشبه التناقض مع هويّة الدولة. فبدلاً من الاعتراف بالمكوّنات الثقافية واللغوية للمجتمع السوري، سعت الدولة إلى فرض تصوّر أحادي للهويّة يتمحور حول العروبة، بوصفها المرجعية الوحيدة للانتماء الوطني والسياسي والثقافي. وفي المقابل، تفترض السياسات التعددية الإيجابية، أن الاعتراف بالجماعات الثقافية المختلفة ليس مجرّد منحة، بل حقٌّ أساسي من حقوق الإنسان، يجب أن يُبنى عليه مبدأ المساواة في المعاملة.
التعدّدية لا تعني تقسيم الدولة، بل تعني توزيع الرمزية والسلطة بعدالة بين مكوناتها
جذور الإقصاء وآثاره البنيوية
فُرضت هويّة الدولة في سورية من الأعلى، من دون حوار أو تفاوض أو مشاركة مع مختلف المكونات، ما أدّى إلى تهميش الهويّات غير العربية، وعلى رأسها الهويّة الكردية. لقد تجاهلت الدولة، عمداً، التاريخ الثقافي الكردي، على الرغم من أن العشائر الكردية كانت قد قدّمت مطالب واضحة منذ عهد الانتداب الفرنسي، كالسماح بتعليم اللغة الكردية في مناطقها، أو دعم مشروع مجلّة هاوار التي أصدرها جلادت بدرخان، والتي رُخّص لها في بيروت ودمشق، لكنها مُنعت من التوزيع في المناطق الكردية السورية، في استجابة لمطالب تركية ضمنياً.
سابقاً وحالياً، ومع سيولة المشاريع والخطوات التي تقوم بها الإدارة الجديدة، يُستخدم كثيراً مُصطلح الوحدة الوطنية والتي تراها المكونات غير العربية غطاءً لطمس الهويّات. أو الحديث عن عدم معقولية الظروف التي يجب توفرها لتثبيت التعدّدية، وهو ما يعني استمرار نسف كرامة المكونات القومية والعرقية سياسياً وثقافياً. تؤكد تجارب العالم أن التعدّد لا يهدد الوحدة، بل يعزّزها. وكما يشير كيمليكا، فإن الحقوق الثقافية للأقليات ليست تهديداً للدولة، بل وسيلة لدمجها من خلال الاعتراف بخصوصيتها، لأن المواطنة الحقيقية لا تتحقق عبر الاستيعاب القسري، بل من خلال المساواة الفعلية المبنية على احترام الاختلاف.
يشيع الخلط في النقاشات السورية بين مفهومي التنوع العرقي والتعدّدية الثقافية، على الرغم من أن الأول توصيف
ارسال الخبر الى: