التعب أم الحزن
قد يبدو من المفارق أن نقارن بين التعب وبين الحزن، أو الجوع والعطش والحزن، أو النوم والحزن، ونسأل: أي حالة إنسانية من هذه الحالات يغلب حين يكون على الإنسان أن يختار، أو دون أن يختار؟ يقول الروائي البريطاني ألدوس هكسلي إنها مشكلة إنسانية، تتعلق بالطبيعة البشرية، وهي في الوقت نفسه مشكلة روائية ومسرحية تتعلق بالطريقة التي نبني بها الشخصية الروائية.
ففي اقتباس لافت له من ملحمة الأوديسة، لهوميروس يظهر البطل اليوناني ورفاقه، وهم يشاهدون شيلا (أو سكيلا) ذات الرؤوس الستة، وهي تلتهم رفاقهم الذين وقعوا في قبضتها، ولم يتمكنوا من إنقاذهم. على أن أوديسيوس استمر في الإبحار، ومن معه من رفاقه، حتى نزلوا بالساحل الصقلي، وهناك جهزوا عشاءهم، وبعد أن رووا ظمأهم، وأشبعوا جوعهم، بكوا، واستمروا في بكائهم، إلى أن غلبهم النعاس، فناموا. وهو نص قد يبدو غريباً، ويمكن أن يجعلنا نستخف بهؤلاء الرفاق الذين أشبعوا جوعهم، ثم رووا ظمأهم، ثم بعد ذلك بكوا أصحابهم ورفاقهم، الذين ماتوا، ثم ناموا بعد ذلك.
وفي رأيه أن هوميروس كان يدرك أن أكثر الناس حزناً رجالاً أم نساء، لا غنى لهم عن الأكل، وفي رأيه أن الجوع أقوى من الحزن، وأن إشباعه مفضل على الأسى، وسكب الدموع، لدى أولئك الذين يشعرون بالحزن، كما أنه كان يدرك أن التعب أقوى من الحزن، وأن في استطاعته إغراقه في بحر من النوم العميق، وهو نوم، يرحب به الحزين، لأنه ينسيه أحزانه.
هوميروس كان يدرك أن التعب أقوى من الحزن
ولهذا السبب فإن التراجيديا لا تشبه الحقيقة الإنسانية، أو لا تشبه هذا اللون من الحقيقة الإنسانية، لا هاملت، ولا لير، ولا مكبث، ولا غيرهم من أبطال التراجيديات المعروفة، يقترب من الحقيقة الإنسانية التي قدمها هوميروس في ذلك المقطع البسيط الطبيعي من الأوديسة، ذلك أننا لا نرى هؤلاء الأبطال في حياتهم اليومية، أي في مأكلهم، وشربهم، ونومهم، وإنما في عزلتهم. أي في تلك اللحظات التي تتجلى فيها العناصر (أو العنصر) التراجيدية على أكمل وجه. وهكذا فإننا
ارسال الخبر الى: