التطبيع مع الإبادة في غزة كأنها حدث جانبي

47 مشاهدة

في زمنٍ يحمل فيه البشر هواتفهم، يقرؤون الأخبار المروعة، يسمعون عن الحدث لحظة وقوعه، ويشاهدون الإبادة تُنفَّذ علناً أمام أعينهم، يبقى هناك شيء مشوَّش: الرؤية؛ فالجريمة التي لا تُرتكب في الخفاء، بل تُنفّذ أمام عدسات الكاميرات، لا يزال هناك من يُؤطّرها. ما يصل إلى العالم لا تحدّده الصور ومقاطع الفيديو التي يرسلها الناس من تلك البقعة المنسية الجائعة، بل تحدّده الكلمات التي تُخفف عبء الجريمة، والعناوين التي تُروّضها، والسياق الذي يُمحى عمداً.
حين يُسلب الإنسان من صفاته البشرية، تُفتح الأبواب أمام التعامل معه بوصفه كائناً زائداً عن الحاجة. هنا، لا تكون الإبادة بالسلاح وحده، بل بالكلمات، وبالصورة المبتورة، وبالاسم المحذوف، وبالعنوان الذي يُخفي أكثر مما يُظهر. هذا ما تشير إليه أستاذة علم الاجتماع في جامعة UCLA، أليزا لِفت (Aliza Luft) في دراستها نزع الإنسانية وتطبيع العنف (Dehumanization and the Normalization of Violence)، إذ تقول: الخطاب الذي ينزع الصفة الإنسانية يمكنه أن يمهّد الطريق للعنف، لكنه ليس شرطاً لوقوعه.
وتشير إلى أن التغيّر في الإدراك الاجتماعي الناتج عن هذا الخطاب هو ما يجعل القتل أسهل مع مرور الوقت، خاصة حين يُصبح الآخر مجرد رقم أو تهديد. هذه العملية الإدراكية المدعومة بسرديات ثقافية عن العدو، تساهم في تبرير العنف لا شعورياً.
هذا التواطؤ لا يحدث من فراغ، فوسائل الإعلام تلعب دوراً حاسماً في إيصاله وتثبيته. يشير الصحافي البريطاني المتخصص في تحليل وسائل الإعلام التقليدية، ديفيد إدواردز (David Edwards)، في مقاله تطبيع ما لا يمكن تصوّره: دور الإعلام في القتل الجماعي (Normalising the unthinkable: The medias role in mass killing)، بوضوح إلى ذلك، قائلاً:
الإعلام يجعل الجرائم التي لا يُعقل حدوثها تبدو طبيعية، لأنه يعرض أفعال المجرم ضمن سردية أيديولوجية تُبرّرها مسبقاً.
من خلال تكرار الصور المجتزأة، وإعادة تدوير مصطلحات نزع الإنسانية، مثل دروع بشرية أو أهداف مشروعة، تساهم التغطية السائدة في تسطيح المأساة وتحويل الإبادة إلى مشهد قابل للهضم.
وفي السياق الفلسطيني، تظهر هذه الممارسة في كل مرة يدور فيها الحديث عن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح