التسامح والتصالح الوطني علي عشال

26 مشاهدة
في زمن أنهكته الخصومات وجثمت فوق صدره تراكمات كثيفة من الألم تبرز قيمة التصالح والتسامح بوصفها من أعظم سجايا النفوس الكريمة وأسمى ما يمكن أن يتحلى به الإنسان حين يشتد الصراع وتضيق السبل فالتسامح ليس موقفا عابرا ولا ردة فعل مؤقتة بل هو خلق راسخ إذا استقر في النفس فاض نوره فمحا الأحقاد وأذاب الضغائن وفتح للنفس آفاقا أرحب من منطق الانتقام وتصفية الحسابات التسامح قيمة مطلقة لا تقاس بميزان المصالح الآنية ولا تجزأ لتوافق الأهواء والأمزجة فتمنح لهذا وتمنع عن ذاك وهو ليس ترفا أخلاقيا نلوذ به في أوقات السلم ثم نقصيه حين تحتدم الخلافات ولا فضيلة نؤجلها إلى زمن نراه مناسبا إنما هو مبدأ يتجاوز الزمان والمكان ويتعالى على مواقفنا من الأشخاص والهيئات وعلى قراءاتنا المتباينة للأحداث والوقائع ومن أخطر ما يبتلى به الوعي الجمعي أن نحاول حصر قيم التصالح في مرحلة دون أخرى من تاريخ صراعنا السياسي وكأن آلام الماضي تستدعى لتبرير أحقاد الحاضر أو وكأن الجراح القديمة تمنحنا حق الإقامة الدائمة في دائرة الثأر والحقيقة أن التاريخ حين يستحضر بعقل مأزوم يتحول من مصدر للعبرة إلى وقود للصراع ومن سجل للتعلم إلى أداة لإدامة الانقسام إن تاريخنا كيمنيين حافل بمحطات موجعة من الصراع والاحتراب صراعات لم تنتج غالبا إلا مزيدا من الخسائر ومزيدا من التشظي الاجتماعي والسياسي وما أحوجنا اليوم في هذه اللحظة الفاصلة من عمر الوطن إلى شجاعة أخلاقية نادرة شجاعة طي صفحة مآسي الماضي دون إنكارها وتجاوز آلامه دون تزييفها والانطلاق نحو أفق جديد يؤسس لعقد تصالحي عام لا يقصي أحدا ولا يبقي أحدا خارج معادلة الوطن إن التصالح الوطني الحقيقي ليس شعارا سياسيا يرفع عند الضرورة ولا تسوية هشة تبنى على توازن الخوف بل هو مشروع وطني شامل يؤسس لبناء دولة اتحادية ضامنة لنا جميعا دولة تقوم على الشراكة واحترام التعدد وحفظ الحقوق والاحتكام إلى منهج العدل وسيادة القانون دولة لا يعرف فيها المواطن من خلال موقعه في الصراع بل من خلال مكانته في الوطن وحين نعلي من شأن التسامح في نفوسنا فإننا لا نبرئ الأخطاء ولا نلغي المحاسبة العادلة بل نحرر العدالة من نزعات الانتقام ونمنحها بعدها الإنساني والأخلاقي فالمجتمعات لا تبنى على ذاكرة مثقلة بالغل ولا على قلوب مشحونة بالكراهية وإنما على وعي قادر على التمييز بين الحق والضغينة وبين الإنصاف والتشفي ولعل أبلغ ما يلخص هذا المعنى ما جاء في قوله تعالى والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم إنها دعوة لتطهير القلوب قبل إعادة بناء الأوطان ولإصلاح الداخل قبل ترميم الخارج فإذا أردنا لوطننا الاستقرار ولأحوالنا الصلاح فلا طريق أقرب ولا أصدق من طريق التصالح والتسامح طريق الارتقاء فوق الخلافات والنظر إلى المستقبل بعيون أقل غضبا وأكثر حكمة عندها فقط يمكن لليمن أن يستعيد عافيته لا كجغرافيا فحسب بل كوطن يتسع لجميع أبنائه ويمنحهم الحق في الاختلاف دون أن يسلبهم حق الانتماء

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع الصحوة نت لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح