الترجمة في تونس من زمن المشاريع الكبرى إلى البيروقراطية

51 مشاهدة
يمنح وجود هياكل مهنية وجمعياتية سواء للناشرين أو الكتاب التونسيين على الأقل فرصة لإيصال أصواتهم والتعبير عن مشاغلهم ومشكلات القطاع الثقافي بغض النظر عن النجاح في تجاوزها في المقابل يبدو مجال الترجمة أكثر هدوءا ووداعة لكنه هدوء لا يعود إلى غياب التحديات بقدر ما يفسر بالتهميش وغياب التنظيم أو التحركات الجادة القادرة على توحيد جهود المترجمين والتعبير عن قضاياهم وهكذا أصبحت الترجمة اليوم قطاعا ثانويا لا يشغل في المشهد الثقافي العام سوى مكانة هامشية على الرغم من أنها كانت ذات يوم عنوانا من عناوين النهضة الثقافية الكبرى في عام 1945 كتب المثقف والمناضل الدستوري الشاب محمود المسعدي في مجلة المباحث مقالا بعنوان لا حياة لأمة من دون ثقافة وأطلق في نهايته التحذير التالي لتحذر بلادنا والصالحون فيها أن يظنوا أن بقاء اللغة وحدها والتعصب لها ضامن لاستقلالية الذاتية ودوام طرافة الشخصية وقد صدق حدسه إذ سرعان ما بلغ مواقع القرار فعين أول وزير للتربية في دولة الاستقلال ثم وزيرا للثقافة سنة 1976 ورفقة عدد من المثقفين مزدوجي الثقافة والتعليم العربي والفرنسي أمثال محمد مزالي والشاذلي القليبي أطلق المشروع الثقافي الرسمي للدولة الناشئة وهو مشروع أولى اهتماما واضحا بالترجمة إلى حين لم تخل الحياة الثقافية التونسية من محاولات مبكرة للترجمة بل على العكس ظهرت بوادرها المنظمة في خمسينيات القرن التاسع عشر مع ترجمات طلبة المدرسة الحربية في باردو قبل أن تنحسر إلى جهود فردية غالبا في مجال الأدب مثل ترجمة سلطان الظلال لتولستوي التي أنجزها محمد المشرقي عام 1909 إلا أن ما يميز مرحلة الاستقلال هو ظهور مشروع ترجمة جدي منظم وواسع النطاق أشرف عليه التونسيون ضمن مؤسسات رسمية تبنت تحديات النهضة ومواكبة العصر أصبحت قطاعا ثانويا لا يشغل المشهد الثقافي العام في إطار المخطط الرباعي 1965 1968 أنشئت مؤسسات عمومية عدة من أبرزها الدار التونسية للنشر 1966 التي ازدهرت فيها حركة الترجمة إلى العربية سواء عبر مشاريع كبرى لترجمة المصادر التاريخية الأوروبية حول تونس أو عبر ترجمات فردية مثل عمل صالح القرمادي على رواية سأهبك غزالة للجزائري مالك حداد 1986 لكن المشروع لم يدم كما حدث مع غيره من مشاريع الدولة الاقتصادية والثقافية في ما قبل السبعينيات ومع حلول التسعينيات وتحول النموذج الاقتصادي نحو الخوصصة تراجعت مكانة المؤسسات الثقافية العمومية تدريجيا ومن بينها الدار التونسية للنشر التي أهملت حتى أغلقت وطواها النسيان الترجمة بوصفها نشاطا بيروقراطيا تخلت الدولة عن سياسة النشر والترجمة الشاملة وأقامت بدلا منها نموذجا هرميا ليبراليا حسب تعبير روبرت إستيفال في مقاله الكتاب التونسي فاقتصر دور الدولة على الإشراف أو إنشاء مؤسسات محددة من بينها بيت الحكمة ومركز النشر الجامعي أو مؤسسات متخصصة مثل معهد تونس للترجمة الذي تأسس سنة 2006 وأصبح عنوان السياسات الرسمية في مجال الترجمة بيروقراطية مفرطة تهيمن على مؤسسات الترجمة التونسية كان يفترض أن يحقق هذا التحول مزيدا من النجاعة والإنتاجية لكن الواقع يشير إلى العكس إذ تكفي زيارة موقع المعهد بما فيه من مشاكل تقنية وغياب للتحديث للدلالة على البطء الكبير في عمله وبحسب الأرقام المتاحة اقتصرت أهداف المعهد في عام 2025 على ترجمة 16 عملا فقط وهو عدد لا يليق بمؤسسة عمومية إنما قد يقبل من دار نشر خاصة ويعزى ذلك بحسب كثير من الكتاب والمثقفين إلى البيروقراطية المفرطة التي تهيمن على المؤسسات الثقافية التونسية عموما ومنها معهد الترجمة ففي البلاغ الذي أصدره المعهد يوم 3 يونيو حزيران الجاري لاختيار مترجمين اعتمد المعهد آليات إدارية قديمة مثل إيداع بمكتب الضبط ورسالة مضمونة الوصول والبريد السريع في تجاهل واضح للتطورات التكنولوجية ووحده بند يتيم في كراسة الشروط تحدث بلغة حديثة لكنه حمل توجها محافظا إذ نص على أن العقد يفسخ إذا ما اعتمد المترجم في ترجمته على الذكاء الاصطناعي ويبدو المعهد في عمله امتدادا للمؤسسات الجامعية الرسمية إذ تقتصر شروط الترشح على الحاصلين على شهادات الماجستير والدكتوراه فيمنع ترجمة الأدب الفرنسي مثلا إلا على من يملكون شهادة جامعية في المجال وهذا ما يقصي عمليا المترجمين العصاميين أو الموهوبين من غير الأكاديميين مهما بلغت جودة أعمالهم أو شهرتهم والأسوأ أن هذا الطابع الجامعي الصارم لم يرض بعض الجامعيين إذ ارتفعت الأصوات المطالبة بحصر أنشطة المعهد ضمن الجامعيين دون سواهم بل واقتراح تحويله إلى وسيلة للتشغيل في صفوف المعطلين كما طالبت بعض التنسيقيات وهكذا يتحول مطلب إصلاح المعهد وانفتاحه على أجيال جديدة من المترجمين إلى دعوات لتحويله إلى مؤسسة إدارية هدفها الأساسي توفير وظائف لا غير مبدعون لكن فرادى رغم احتكار المؤسسة الرسمية للمشهد لم يغلق الباب تماما أمام حركة ترجمة مبدعة خاصة بعد الثورة التونسية سنة 2011 التي شهدت ازدهار النشر الخاص لكن هذه الحركة بقيت فردية متناثرة تقودها حماسة شخصية خالصة وتقاوم وطأة غياب التمويل والدعم والتقدير ولعل أبرز الأمثلة على ذلك غياب جوائز مخصصة للترجمة سواء في الجوائز الرسمية مثل جوائز وزارة الثقافة أو الخاصة مثل جائزة الكومار الأدبية في حديث مع المؤرخ المتخصص في الدراسات الموريسكية حسام الدين شاشية حول ترجمة كتاب ضخم للراهب الإسباني فرانشيسكو خيمينث اعتبر أن هذا المشروع وإن وجدت له رغبة حقيقية يتطلب تنسيقا وتمويلا ضخما يتجاوز إمكانات الأفراد ويكاد يكون من مشمولات الدولة وحدها مع ذلك خاض بعض المترجمين هذه المغامرات الكبرى منفردين منهم الشاعر جمال الجلاصي الذي انطلق منذ 2019 في مشروعه لترجمة الأدب الأفريقي لا سيما الشعر فترجم أعمال سنغور وإيمي سيزار وآلان مابانكو وغيرهم لكنها بقيت ترجمات فردية متناثرة بين دور نشر عربية ومحلية ونتاج مجهود شاق يصبح فيه نشر كل عمل إنجازا قائما بذاته هكذا تختصر قصة الترجمة التونسية تاريخا من النجاحات الصغيرة عبر سبعين عاما من التقلب بين الحلم والواقع بين الطموحات الكبرى والبيروقراطية المحبطة بين المؤسسة الرسمية التي تشيخ والمترجم الفرد الذي لا يستسلم ولا يزال كما يقول الجلاصي يهرب الأرواح واحدة تلو الأخرى كاتب من تونس

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح