التحرير الأدبي صراع مع الروائي أم تكامل معه

44 مشاهدة
توجد سلطة يتقاسمها الروائي والكاتب مع دار النشر ويغيب عنها المحرر الأدبي الذي لا يحظى بالاعتراف في ثقافتنا العربية إلا نادرا إذ إنه يتعرض للتهميش رغم دوره المحوري في تطوير الروايات إما جهلا به وإما تجاوزا له وهناك أسباب لهذا يكشف عنها كتاب دليل الكاتب لتحرير الرواية منشورات تكوين 2025 للكاتب المصري علاء فرغلي الذي يقترح أن يتنازل السرد العربي عن الاحتفاء بفردانية الكاتب وأن يتيح المجال للمحرر حتى يساهم في تغيير الصور السلبية ضمن الواقع الروائي السائد هل تعترف الثقافة العربية بالمحرر تكاد الثقافة العربية تخلو من مفهوم واضح لماهية المحرر الأدبي ودوره في تطوير الرواية وأسلوبها ولغتها ومضامينها فخلال تاريخ تراثنا العربي اتخذت مظاهر التحرير للكتب الأدبية شكلا مختلفا إن صح التعبير إذ لم تكن الرواية قد ظهرت بعد ويشمل هذا الشكل تحقيق الكتب وتنقيحها وتطويرها بالإضافة والحذف وتحسين الترتيب من خلال أدباء تناولوا مؤلفات آخرين ممن سبقوهم كما في حالة الجاحظ مثلا الذي توجد لكتبه ومؤلفاته طبعات منقحة ومحسنة عدة المفارقة في هذا النوع من التحرير الأدبي غير الروائي تكمن في أن الفاصل الزمني بين الكاتب وهذا النوع من المحررين طويل قد يمتد مثلا إلى عشرة أعوام أو خمسين أو أكثر بل ويمكن للتحرير هنا أن يظل عملية مستمرة وهذا ما لا ينطبق على تحرير الروايات لهذا السبب ربما ينطلق المؤلف في كتابه متجاوزا محاولة تأصيل هذا المفهوم وتعريفه في سياق عربي ليقدم تجارب عملية كثيفة وموسعة تشمل روايات عربية حديثة منها ما نال الجوائز ومنها ما انتشر بين القراء مبينا مدى أهمية حضور المحرر الأدبي في عصرنا والأثر الذي كان ممكنا أن يتركه على هذه الروايات وجعلها أفضل بكثير مما هي عليه nbsp تكاد الثقافة العربية تخلو من مفهوم واضح لماهية المحرر الأدبي هذه المنهجية العملية في تجسيد أهمية المحرر الأدبي تمتد في صفحات الكتاب وتبين شيئا فشيئا قلة المعرفة بخصوص هذه المهنة إذ يتضح أن المحرر ليس مجرد مدقق لغوي ولا شخصا يمتلك بعض المعرفة في الأدب والتاريخ مثلا بل يجسد منظومة ثقافية واسعة ومتكاملة تملك معرفة جيدة وخبرة واسعة في الأسلوب والأنواع الروائية واللغة والمضامين المتعلقة بوعي الشخصيات والعلاقة بين الواقع والعلم والمنطق والخيال ضمن البنية الروائية nbsp المحرر روائي ثان إذن أو كاتب شبح كما يقول علاء فرغلي في كتابه ورغم قوة هذه الجملة المتمثلة بأن المحرر يبدو منافسا للكاتب داخل النص أو شريكا فإن فرغلي لا يتراجع عن هذه الرؤية بل يدعمها بالتصريح المباشر بأن للمحرر سلطة داخل النص لكنها محدودة بموافقة الكاتب على ما تخضع له الرواية من تغيرات قد يكون العديد منها جوهريا ما يقلل فرص الاعتراف بالمحرر وحضوره دور المحرر في الرواية المعاصرة يطرح المؤلف روايات عدة اشتهرت بين القراء مثل رواية عزازيل ليوسف زيدان أو رواية أوراق شمعون المصري لأسامة الشاذلي ورواية الفيل الأزرق لأحمد مراد وغيرها ويكشف أدق التفاصيل المتعلقة بلغتها وأسلوبها وصعوبات تحريرها خصوصا في ظل لغة شعرية طاغية في الكثير منها تجعل عملية تخليصها من التناقضات والأخطاء في بنية اللغة وتناول الموضوع واكتشاف مواطن الخلل في الحبكة أو الشخصيات أو منطق الأحداث أمرا صعبا لكنه ضروري ويكشف العديد من المشكلات التي تواجه الكاتب بحيث لا يستغني عن وجود المحرر ولأن اللغة محور وظيفة المحرر برأيه يبين فرغلي كما كبيرا من أخطاء الروائيين في استخدام التشبيهات ومحاولة بعضهم التصنع في التصوير الروائي وقلة الوعي بالمفردات ومرادفاتها والفروقات بينها بالإضافة إلى الحشو والتكرار في الكلمات والأفكار والمضامين ويكشف بهذا كله أيضا الضعف المتمثل بالثقافة البصرية لدى الروائي العربي عموما إذ إن امتلاك ثقافة بصرية جيدة يساعد الكاتب في معرفة المفردات والأسلوب والإحساس المتعلق بحالة أو ظاهرة أو حدث معين داخل روايته ما يساعده في إبداع نصوص أكثر كثافة واقعية أو خيالية إن شاء تصطدم هذه الأهمية الكبيرة لدور المحرر في كشف الخلل ضمن مجالات عديدة تتضمنها الروايات بإهمال من دور النشر العربية التي نلمسها في تسرع الكاتب ودور النشر في عملية النشر أحيانا والتذرع أيضا بشهرة الكاتب لدى فئات معينة من الجمهور أحيانا أخرى وهو ما يشير إليه المؤلف بشكل غير مباشر حين يتحدث عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في صنع جمهور زائف للكاتب يبدو المحرر الأدبي منافسا للكاتب داخل النص أو شريكا وإذا كان دور المحرر يتضمن النهوض بلغة الرواية بصورة عميقة وقوية ومؤثرة تتناسب مع بيئة الرواية والزمن الذي تدور أحداثها فيه فإن القارئ المعاصر برأي بعض الكتاب والناشرين ولجان تحكيم الجوائز قد لا يضع اللغة ضمن اهتماماته الأساسية حين يقرأ إنما يستهدف المتعة والمعرفة وغيرهما من أهداف يقول علاء فرغلي إن العديد من الجوائز يركز على الأفكار والمواضيع المطروحة فقط ولا ينتبه إلى العناصر الأخرى التي تجعل الرواية ذات أثر بين وعي الكاتب وقلم المحرر مسألة أخرى يقدمها الكتاب بصورة موضوعية وهي مهمة المحرر في مواجهة الحوارات الركيكة التي لا تضيف شيئا إلى العمل الروائي ويحيل المؤلف تكرار هذه الحوارات في بعض الروايات إلى رغبة الكاتب في إضافة مجموعة من الأقوال المأثورة والأمثال والجمل الفلسفية إلى النص رغم أن هذا النوع من الإضافة يزيد من حضور الروائي داخل الرواية على حساب شخصياته ويحمل للنص جملا عديدة مصطنعة لم تنشأ من صلب الحدث أو طبيعة الشخصية داخل الرواية أو من خلال البيئة التي يتناولها العمل ولا تقف الأمور عند هذا الحد إذ تتجاوز وظيفة المحرر الانتباه إلى هذه الأساليب التي تسبب خللا في بنية الرواية ليكون قارئا واعيا صاحب قدرة تحليلية لا يملكها الكاتب الذي ينشغل في تخيل الأحداث خلال الكتابة ما يضع المحرر في مواجهة مع الكاتب مجددا للتفاوض على التخلص من الاجتهادات الفلسفية واللغوية التي يحاول الكاتب من خلالها تعميق نصه وأسلوبه دون الانتباه إلى عدم ارتباط هذه الاجتهادات بالحدث والقصة داخل روايته nbsp كاتب ومترجم من الأردن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح