فن التحايل كيف صنعت السينما الإيرانية لغة الصمت في وجه الرقابة
في ظل اشتراطات رقابية صارمة منعت الحديث المباشر في السياسة، لم يستسلم كبار المخرجين الإيرانيين، بل لجأوا إلى ابتكار لغة سينمائية جديدة للتحايل الفني، تاركين خلفهم دروساً ملهمة في كيفية تخطي القيود بذكاء وتورية.
الدرس الأول: التورية خلف عيون الأطفال
حين أدرك المخرج عباس كيارستمي أن توثيق معاناة المجتمع الإيراني المنهك من الحرب أمر مستحيل رقابياً، قرر النظر للعالم من زاوية براءة الأطفال. في فيلمه أين منزل صديقي (1987)، قدم قصة طفل يبحث عن منزل زميله لإعادة دفتره، وهو ما بدا للرقابة عملاً مدرسياً آمناً، بينما رآه الجمهور صرخة جيل كامل أرهقته الحرب التي خلفت أكثر من مليون قتيل ودماراً اقتصادياً واسعاً.
الدرس الثاني: كاميرا السيارة كفضاء للبوح
بعد انتهاء الحرب، وتحديداً عقب زلزال عام 1990 المدمر، أسس كيارستمي في فيلمه الحياة مستمرة (1992) لمنظور إخراجي يعتمد على كاميرا السيارة. لقد كانت السيارة المساحة الوحيدة التي تجمع بين الخاص والعام، حيث تتحرك في الشارع (الفضاء العام) بينما تحفظ خصوصية الفرد، مما سمح برصد نبض الشارع بأمان.
هذا الأسلوب استعاره لاحقاً المخرج جعفر بناهي في فيلم تاكسي (2015)، حيث استطاع من خلف مقود سيارته جمع حكايات حقيقية من عامة الشعب، من لصوص ومعلمين ومحامين ممنوعين من العمل، مهرباً تلك الشهادات للعالم لتنال جوائز دولية رفيعة.
الدرس الثالث: المأساة بين الخير والخير
مع تحول المجتمع الإيراني في الألفية الجديدة إلى طبقة وسطى متعلمة ترزح تحت ضغوط اقتصادية وعزلة دولية، نقل المخرج أصغر فرهادي الكاميرا من القرى إلى شقق طهران. في أفلام مثل انفصال، غاب الصراع الكلاسيكي بين الشرير والبطل، ليحل محله صراع بين أشخاص طيبين تضعهم الظروف في مواقف تجبرهم على اتخاذ قرارات قاسية.
يلخص فرهادي فلسفته قائلاً: المأساة الحقيقية ليست حين تكون المعركة بين خير وشر، بل حين تكون بين خير وخير.. عندها لا يهم من ينتصر، قلوبنا ستنكسر في كل الأحوال.
ختاماً، تظل
ارسال الخبر الى: