من التأسيس إلى أولي البأس كيف صاغ الشهداء القادة بنية المقاومة الصلبة
37 مشاهدة
في كل مرة كانت المقاومة تتجاوز في شباط جراح الفقد باغتيال قادتها مستندة إلى إرث تنظيمي وروح جهادية تجعلها قادرة على التأقلم مع التحديات الراهنة وإعادة ترميم قدراتها وسط بنية لا تستلم برحيل الأجساد بل تحمل الفكرة والنهج وتواصل الدرب في تاريخ المقاومة في لبنان ووجدانها يسمى شهر شباط بـ شهر الشهداء القادة ففيه فقدت المقاومة أبرز مؤسسيها وقادتها ومطوريها فمن الشيخ راغب حرب إلى السيد عباس الموسوي إلى الشهيد القائد عماد مغنية كانت المقاومة في شباط على موعد مع وداعات مؤلمة لثقل الخسارة المتمثلة بهؤلاء الشخصيات الذين حفروا أثرا لا يفنى في مسيرة المقاومة أمام الاحتلال الإسرائيلي على مدى عقود لكن دماء هؤلاء الشهداء القادة شكلت محطات مفصلية جعلت المقاومة وشعبها أكثر ثباتا وعزما وتمسكا بخيار المواجهة مع الاحتلال وجعلتهم يعضون على الجراح ويواصلون الدرب المعبد بالتضحيات وفاء وإيمانا بقضية تحرير الأرض ومقارعة الظلم وحفظ المسيرة خصوصا أن اغتيال إسرائيل لثلة من القادة كان في مراحل اشتد فيها التغول الإسرائيلي في لبنان وجنوبه كان لكل قائد من هؤلاء القادة دوره بحسب الظروف المحيطة ليكمل ما بناه أسلافه من نهج وبنية أرضية وشعبية ضمن مسار المواجهة من الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 والذي برز خلاله اسم الشيخ راغب حرب إلى فترة احتلاله الذي كان السيد عباس الموسوي الشخصية الأهم خلالها حتى التحرير في عام 2000 وما بعده حيث كان الحاج رضوان العقل الألمعي للمقاومة الشيخ راغب حرب شيخ الشهداء ومرحلة الوعي والتأسيس 1982 1984 الموقف سلاح والمصافحة اعتراف أين راغب حرب أين ليته في الحاضرين هي أبيات ودع فيها جمهور المقاومة الشيخ راغب عقب اغتياله برصاص أحد عملاء الاحتلال ليلة الجمعة في 16 شباط فبراير 1984 بعد خروجه من مسجد قريته جبشيت جنوبي لبنان في دلالة على عظيم فقدان شخص مثله ليس فقط لمواقفه المقاومة والرافضة للاحتلال بل لكونه شخصية وقفت مع الناس وهمومها وكانت توجهها وتشحن عزمها وروحها في مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للجنوب فقد برز اسم ودور الشيخ راغب مع الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 إذ إن هذه المرحلة كانت مرحلة كسر حاجز الخوف والمواجهة المباشرة لـ جيش الاحتلال إذ لم يكن الشيخ راغب قائدا عسكريا بالمعنى التقليدي بل كان المعبئ الروحي والجهادي والتوعوي في المجتمع الجنوبي من صلاة الجمعة التي كان يتخذها منبرا وصوتا للتوجيه ورفض الظلم إلى مواكبة الشؤون الاجتماعية للفقراء والمحتاجين وتأسيس العديد من الجمعيات الخيرية لتيسر حوائج الناس واحتضان عوائل الشهداء والأيتام حتى قيادته الانتفاضة الشعبية في وجه الوجود الإسرائيلي في جبل عامل وتحركاته عبر زياراته لقرى الجنوب وتشديده على مقاومة الاحتلال كان الشيخ راغب يعمل على تأسيس بنية اجتماعية مقاومة ومجاهدة لا ترضى بالذل حيث انتقلت المقاومة معه من عمل مجموعات إلى حالة شعبية موقفه الشهير الذي رفض خلاله مصافحة أحد الجنود الإسرائيليين بقوله المعروف الموقف سلاح والمصافحة اعتراف جعله مثالا حيا لمدى أهمية اتخاذ ولو موقف ضد العدو بحيث يرقى إلى كونه سلاحا يقاوم به في مسار رفض التعامل مع الاحتلال وبحسب الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله فإن هذا الموقف الذي أطلقه بات سلاحا في هذه المعركة بل من أقواها وأمضاها لأنه شكل ضمانة قيام المقاومة وتحولها لاحقا إلى مقاومة مسلحة ومتطورة فلو لم يكن هذا الموقف الفكري والثقافي والنفسي موجودا لكان المقابل هو القبول بالعدوان والتساهل مع المحتل والخوف منه والخضوع لإملاءاته وفعليا لا يزال هذا الموقف يصدح حتى يومنا هذا حيث يرفض الأحرار وترفض المقاومة خيار التطبيع مع إسرائيل على الرغم من كل التحديات المحيطة وانجرار الدول العربية والإسلامية نحو هذه الخطوة مع تصاعد التهديدات والاعتداءات السيد عباس الموسوي سيد شهداء المقاومة الوصية الأساس هي حفظ المقاومة بعد ذلك بسنوات اغتيل السيد عباس الموسوي الذي حمل راية المقاومة في يوم اغتيال الشيخ راغب من عام 1992 هو وزوجته أم ياسر وابنهما حسين في بلدة تفاحتا الجنوبية في طريق عودتهم من جبشيت حيث كان إحياء ذكرى الشيخ الأمر الذي مثل شرارة في قلوب المحبين والمقاومين والمجاهدين غير أن الهدف الإسرائيلي في إحباط المسار لم يتحقق مثل سابقه مع الشيخ راغب لأن السيد كان قد عمل لسنوات على بناء بيئة لا تستسلم بشهادة قادتها بل كانت الشهادة توقظ النفوس وتعبئها للاستمرار وتدفعها إلى الأمام في المواجهة فالسيد الموسوي كان من أوائل العاملين على جمع طلاب العلوم الدينية الذين أبعدوا من النجف إبان الحكم البعثي في العراق حيث أسس بعد تسع سنوات قضاها هناك حوزة الإمام المنتظر في مدينة بعلبك البقاعية التي كانت حوزة من الحوزات النموذجية بفعل حركيته وروحه الثورية ومن ثم أسس تجمع العلماء المسلمين في عام 1979 في أول خطوة لبنانية عملية للوحدة بين المسلمين وبالتوازي مع مقاومته إهمال الدولة مناطق الضاحية والجنوب والبقاع ورفع صوت المحرومين على المنابر ومؤازرتهم على الأرض من لبنان إلى أفغانستان انطلقت عام 1982 مسيرة حزب الله عبر المقاومة الإسلامية التي شاركت أولى مجموعاتها في التصدي لهذا الاحتلال خاصة على مداخل بيروت الجنوبية في خلدة والأوزاعي والليلكي وحي السلم وكاليري سمعان فبعد أن قام السيد عباس الموسوي الذي كان لديه خبرة عسكرية إثر تجربته مع المقاومة الفلسطينية عام 1967 وإخوانه بزيارة الإمام الخميني عقب الاجتياح وأخذهم النصيحة بالبداية من الصفر أنشأ ومجموعة من طلابه وإخوانه حزب الله بدعم من حرس الثورة حيث انطلق العمل المقاوم في كل اتجاه وبرزت العمليات المكثفة ضد الاحتلال والعمليات الاستشهادية من بيروت وصولا إلى قرى ومدن الجنوب وهكذا قاد السيد الموسوي مرورا بتعيينه عضو شورى ووصولا إلى انتخابه أمينا عاما للحزب عام 1991 مرحلة النهوض والتنظيم الجهادي فكان في الطليعة ويتقدم الصفوف ليكون مع المقاومين في الثغور وبين الضعفاء والمظلومين والمضطهدين في الأحياء والشوارع للاطلاع مباشرة على احتياجاتهم ومعاناتهم حيث كان يشدد على شعار سنخدمكم بأشفار عيوننا وهو بذلك كان يكرس وصيته الأساس عمليا في حفظ المقاومة لمقارعة الاستكبار والمشاريع الأميركية الإسرائيلية في المنطقة واليوم تكمل هذه الوصية وتحفظها ثلة من المقاومين في حزب الله الذين يتحدون هذه المشاريع بلحمهم الحي حفظا لمسار المقاومة الذي استشهد السيد الموسوي دفاعا عنها الحاج عماد مغنية قائد الانتصارين ومرحلة القوة الرادعة 1992 2008 الروح فينا هي التي تقاتل الروحية هي الأساس في الثاني عشر من شباط عام 2008 استهدف الاحتلال القائد في المقاومة عماد مغنية الحاج رضوان بسيارة مفخخة في حي كفرسوسة في العاصمة السورية دمشق ما أدى إلى استشهاده تاركا وراءه إرثا ضخما في العمل العسكري ظنت إسرائيل حينها مرة جديدة أن بقتله ستنهار المقاومة لكن خاب من ظن أن بقتل الحاج عماد يدفن روحا ثورية إذ كان الشهيد قد زرع نفوسا لا تفنى لدى الآلاف من المقاومين فالحاج رضوان الذي خاض غمار القتال مع إسرائيل منذ أن كان في الثانية عشر من عمره ضمن صفوف حركة فتح قبل أن يصبح لاحقا واحدا من أبرز القادة العسكريين في حزب الله الذين خططوا لعمليات نوعية منذ الثمانينيات وحتى الألفية الثانية كان شخصية استثنائية قل نظيرها في العمل الجهادي والعسكري بحيث أدت خبرته إلى أن يكون العقل المدبر الذي حول المقاومة إلى جيش غير نظامي استطاع تحرير الجنوب عام 2000 وهزم الجيش الذي لا يقهر في حرب تموز 2006 حتى لقب بـ مهندس الانتصارين كان ذلك نتاج سنين من العمل على تطوير المقاومة حيث أدخل الشهيد مغنية سلاح الإشارة المتطور والمنظومات الصاروخية إلى المقاومة وعمل على بناء الأنفاق والتحصينات تحت الأرض وتطوير الاستخبارات العسكرية كرصد اتصالات الاحتلال وفقا لدراسة نشرها موقع tandfonline لنشر الأبحاث والدراسات عزز حزب الله قدراته الاستخبارية بشكل ملحوظ بين عامي 2000 و2006 مستفيدا من حرية تحركه في جنوب لبنان بعد انسحاب إسرائيل كذلك حسن الحزب بشكل كبير مخزونه من الأسلحة وقدراته البشرية فضلا عن نشاطه الاستخباري فبعد حرب 2006 تأسست قوة الرضوان التي سميت تيمنا باسمه وهي تعرف بأنها قوات النخبة في حزب الله وبأنها تضم في صفوفها بضعة آلاف من المقاتلين كل ذلك جعل من الحاج رضوان ركنا أساسيا في الجهاز العسكري لحزب الله غير أن ذلك كان يجري في الظل فلتخفيه الدقيق وملاحقته لأكثر من 25 عاما من قبل الاستخبارات الغربية والإسرائيلية وصف بـ الشبح إذ كان شخصية غامضة يتجنب الأضواء ويلتزم بالسرية في حين كان هدف مقاومته واضحا إزالة إسرائيل بحسب دراسة منشورة تحت عنوان إسرائيل حزب الله وظل عماد مغنية كما لم يقتصر عمل الحاج عماد على التجهيز العسكري فحسب بل كان يركز على الروحية فمن وجهة نظره أن الإمكانات ووضع الاستراتيجيات والسياسات وأساليب العمل أصل لكن الأصل الرئيس هو الروحية فيما العنصر المادي هو عنصر مساعد إذ لا يمكن بناء شخصية عسكرية من دون أن تكون ذات روحية عالية في الجهاد ومعرفة في مستويات واختصاصات مختلفة بعد استشهاده خرج السيد نصر الله قائلا لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين المجهزين الحاضرين للشهادة الذين تتلمذوا على يدي الحاج عماد خرجوا بعد استشهاد السيد نصر الله في أيلول 2024 وبعد كل الاعتداءات والخسارات في حرب الإسناد بروحية الفاتحين المستميتين حبا وعنفوانا وشجاعة للدفاع عن تراب الجنوب وحفظ إرث المقاومة وقادتها عبر السنين مسيرة تتوقد بالروحية والدماء أثبتت هذه المسيرة وهؤلاء القادة من مرحلة التأسيس إلى معركة أولي البأس الأخيرة أن المقاومة تبقى ولادة وصامدة في أصعب الظروف وأحلكها بحيث تتوقد بالروحية والدماء حين تكون القضية محقة أمام عدو لا يمكن إلا مواجهته بالقوة فمن الشيخ راغب حرب إلى السيد عباس الموسوي إلى الشهيد القائد عماد مغنية وحتى شهادة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أظهرت المقاومة إرادة وعزيمة عالية على الاستمرار انطلاقا من البنية الصلبة للعقيدة القتالية والأيديولوجية والعلاقة المترابطة بين الشعب والسلاح والمواجهة دفاعا عن الأرض ونصرة للمظلومين والتي منعت التفكك السريع الذي قد يصيب جيوشا نظامية عند مقتل قادتها ورحيل الأجساد وليست الدلائل على ذلك ببعيدة ففي أعقاب معركة أولي البأس يعمل الحزب على النهوض من تحت الركام وآثار الأضرار التي لحقت به لإعادة ترميم نفسه وقدراته ومجتمعه مع ما يتماشى مع المرحلة الحالية ومتطلباتها علما أن الحرب لم تتوقف حيث تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على البلاد لكنه يؤكد عزمه على الدفاع عن الأرض والوطن وعدم الاستسلام والمواجهة بشتى الطرق ووفقا لدراسة لمعهد ألما الإسرائيلي فإن الحزب وبعد جولة القتال التي ألحقت أضرارا جسيمة بالقيادة السياسية والعسكرية لحزب الله شرع في عملية إعادة هيكلة داخلية واسعة النطاق وتشمل هذه العملية تعيينات في مناصب قيادية عليا وتوطيد السلطة وإنشاء أو إعادة تأسيس أطر تنظيمية متخصصة في المجالات السياسية والمدنية والإدارية والإعلامية وسط جهود لإعادة صياغة صورة الحزب كفاعل سياسي ومدني يعمل ضمن النظام الداخلي اللبناني وفق الدراسة القادة الشهداء لم يورثوا خلفاءهم سلاحا فحسب بل أورثوهم عقيدة قتالية وبنيانا تنظيميا مرنا ما جعل المقاومة قادرة على التأقلم مع الظروف والأحداث المحيطة والتطورات العسكرية والتكنولوجية والسياسية إذ إن حزب الله ليس مجرد حزب عسكري فحسب بل هو كيان اجتماعي وسياسي متجذر وكما قال مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب محمد عفيف إن حزب الله أمة الأمم لا تموت الميادين نت اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي واتس أب تيليجرام منصة إكس The post من التأسيس إلى أولي البأس كيف صاغ الشهداء القادة بنية المقاومة الصلبة appeared first on Alainpress