البيت الخالي للوران موفينييه المسكوت عنه في تاريخ العائلة

80 مشاهدة
ما من مفاجأة في فوز الكاتب الفرنسي لوران موفينييه 1967 بجائزة غونكور عن روايته المدهشة البيت الخالي الصادرة مثل جل أعماله عن دار مينوي فالرواية تصدرت سباق الجوائز الفرنسية على مدى أسابيع ونالت إعجاب القراء والنقاد فبيع منها أكثر من 80 ألف نسخة قبل إعلان فوزها ويرى كثيرون أن أكاديمية غونكور قد تأخرت في الاحتفاء بتجربة كاتب امتدت لربع قرن منذ روايته الأولى بعيدا عنهم 1999 نجح خلالها في أن يحتل مكانة بارزة في المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر بوصفه واحدا من أهم كتاب جيله وأغزرهم موهبة وأن عددا من رواياته السابقة مثل رجال 2009 وحكايا الليل 2020 كانت جديرة بنيل إحدى الجوائز الكبرى أما روايته المتوجة التي يؤكد موفينييه أن كتابتها استغرقت ثلاث سنوات وأنه حملها في أعماقه أربعين عاما فتمثل ذروة تطوره الفني وإن كانت أكثر أعماله كلاسيكية فإن هذه الرواية أعلاها طموحا إذ أحدثت قطيعة مع سابقاتها بالانتقال من تقنيات المونولوج الداخلي والسرد بضمير الغائب إلى السرد لأول مرة بضمير المتكلم ومن الحفر في الحكايات الفردية المبنية على حادثة أو صدمة محدودة الزمن إلى توسيع زمن السرد ليغطي قرنا كاملا في أكثر من 700 صفحة استنادا إلى أرشيف عائلي تتقاطع فيه مصاير الأفراد مع مآسي التاريخ وأهواله لكن الرواية تظل وفية لنهج موفينييه في مساءلة الواقع من منظور المهمشين والمنسيين والخاسرين ولأسلوبه البارع في رسم الشخصيات والأجواء ولغته الرصينة المشغولة بعناية فائقة وحرصه على التوازن الدقيق بين التعقيد في البناء الروائي وصفاء السرد وسلاسته تصدرت الرواية سباق الجوائز الفرنسية على مدى أسابيع ينطلق السرد من بيت مهجور يملؤه الغبار بيت خال لكن ليس تماما فثمة مجموعة كاملة من روايات إميل زولا ووسام منح لجد المؤلف الأكبر بعد مقتله في الحرب العالمية الأولى وبيانو ضخم يتوسط الصالون وصور عائلية قص منها وجه جدته مارغريت فقص وجهها أو شوه فمن الذي أراد قتلها رمزيا بمحو ذكراها وما الذي جنته تلك المرأة لتستحق عقابا كهذا المرأة التي يكاد يكون قبرها الأثر الوحيد الذي يدل على أنها قد عاشت وتنفست على مدى واحد وأربعين عاما هواء الأحياء يضاف لغز الجدة إلى لغز آخر استحوذ على ذهن الكاتب وخياله طيلة أربعين عاما وهو انتحار أبيه سنة 1983 من هنا تبدأ رحلة سردية تستكشف الطبقات العميقة للمسكوت عنه في تاريخ العائلة وتستعيد حياة أربعة أجيال سكنت ذلك البيت من منتصف القرن التاسع عشر إلى النصف الثاني من القرن العشرين وعاشت حربين عالميتين رحلة في القلب منها مصاير ثلاث نساء ولما كان الكاتب لا يعرف من قصة العائلة إلا أقل القليل فإنه يشدد في مستهل الرواية على الطابع التخييلي لعمله فيقول أنا لا أفعل سوى كتابة رواية هنا كل شيء افتراضات وتخمينات لكنني لا أختلق هذا العالم كليا بل أعيد تركيبه قطعة قطعة ويحدد كذلك باعث الكتابة لديه دوافعي العميقة هي إعادة بناء ذاكرة عائلية تطرح ضمنيا الأسئلة التي تلاحقني منذ كنت في السادسة عشرة سنة انتحار أبي حول ما الذي يدفع رجلا مثله إلى إنهاء حياته كما لو أن كل ما مر به منذ ولادته قد أعده لذلك وكأنه ما من صدفة أو ضربة قدر قد تدخلت في الأمر بل كان كل ذلك نتيجة منطق رياضي صامت لا يدحض وضع قبل ولادته مع أمه مارغريت أو حتى قبلها مع جده جول أو جدته ماري إرنستين يتأمل بعمق قضايا الذاكرة والإرث العائلي وسطوة التقاليد ينسج الكاتب خيوط السرد انطلاقا مما بقي في البيت المهجور من أثاث ومتعلقات شخصية محولا تلك الأشياء البسيطة إلى آثار حية تصله بماضي أسلافه وتمنحه المادة التي سيعيد منها كتابة تاريخ العائلة في قلب هذا التاريخ نجد الجدة الكبرى ماري إرنستين 1885 1949 عازفة البيانو الموهوبة التي كانت تستعد لمتابعة دراسة الموسيقى في باريس مدفوعة بعشقها لأستاذها الشاب لكن والدها فيرمان يجهض حلمها بإجبارها على زواج مدبر غايته الحفاظ على ثروة العائلة وتتحول ليلة زفافها إلى مشهد اغتصاب مقنع وجرح غائر لن يندمل أبدا وحين يقتل زوجها جول في الحرب تهجر ابنتها الصغيرة مارغريت 1913 1954 وترسلها للعمل في متجر تتعرض فيه للاغتصاب وهي في الثالثة عشرة من العمر تكبر مارغريت وتتزوج من أندريه جد المؤلف الذي يجند للقتال في الحرب العالمية الثانية ويقع في الأسر وخلال سعيها لمعرفة مصيره تتورط في علاقة مع أحد ضباط الاحتلال النازي جالبة الخزي والعار لعائلتها لا يقفز موفينييه عن أي من الوقائع المفصلية في تاريخ العائلة فيرسم بدقة بالغة وجرأة كبيرة لامه عليها بعض منتقديه كثيرا من المشاهد واللوحات الحية والمؤثرة التي تتجلى فيها براعته السردية وقدرته على النفاذ إلى أعماق الشخصيات مثل مشهد ليلة زفاف ماري إرنستين ومشهد الضابط الألماني الذي يعود بعشيقته مارغريت ثملة إلى البيت ويجبر الأم على العزف لابنتها حلم راودها طيلة حياتها دون أن يتحقق ثم يغادر مؤديا التحية النازية ومشهد انتحار مارغريت المتخيل وجنازة الجد الأكبر فيرمان وحياة الرجال في الخنادق أثناء الحرب وانتقام النساء وترؤس الجدة الكبرى جان ماري 1860 1933 العائلة في غيابهم بعد أن كانت منذورة لصنع المربى ورفو الجوارب ومشهد إذلال مارغريت في الساحة العامة وحلق شعرها بعد تحرير فرنسا صيف 1944 والذي تكشف لنا خاتمة الرواية أن ابنها والد المؤلف قد شهده وهو في السابعة من العمر nbsp لا يسعى موفينييه إلى توثيق تاريخي أو إلى إعادة إنتاج حقبة زمنية بل يستحضر الماضي ليتأمل بعمق قضايا الذاكرة والزمن والإرث العائلي وسطوة التقاليد ومكر التاريخ يفعل ذلك بلغة متدفقة وجمل طويلة متشعبة تتتبع حركة الذاكرة في ترددها وانعطافاتها المراوغة وسعيها لاستنطاق قلعة الصمت التي شيدت حول ماضي الأسلاف وإصرارها على إنقاذ حيواتهم المنسية ووجوهم الممحوة في الصور فيؤثث البيت الخالي بأطياف الغائبين وأصواتهم التي تتحدث تهمس تكذب تحب وتسكت ويترك لمخيلته أن تملأ فجوات الذاكرة معيدا ما انقطع من صلات بين الأجيال ومتقصيا جذور المأساة لا يخرج القارئ منها خاليا بل محملا بكثير من ذكريات الموتى وهواجس الأحياء التي سترافقه طويلا كما عاشتها أربعة أجيال خلال العمل وكثير من الأسئلة عن سحر الأدب وفتنة اللغة والسرد وقدرة المخيلة على هزيمة النسيان شاعر ومترجم من الأردن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح