البيانات حقا عاما سورية بين إرث الإخفاء وأفق الدولة المفتوحة
لم يكن البيان الذي أصدره رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى سورية، رون فام رودن، عقب زيارته دمشق منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، مجرد ملاحظة تقنية عابرة، فحين قال إن البيانات الاقتصادية الموثوقة لا تزال شحيحة، لكن الدعم الفني جارٍ لتحسين إصدار البيانات في سورية، كان يعيد، بصيغة دبلوماسية هادئة، توصيفا أعمق لمعضلة سورية ممتدة منذ عقود: بلدٌ حرمه نظام القتل من الرقم بوصفه معرفة عامة، لا بسبب نقص في القدرات، بل نتيجة نهجٍ استبدادي أغلق البيانات، واحتكرها، وحوّلها إلى أداة سيطرة لا إلى حقّ للمجتمع. تشكّل هذه الجملة القصيرة، مفتاحا لقراءة تاريخ طويل من الإخفاء، ولتفكيك طبيعة العلاقة بين السلطة ومواطنيها، كما تضيء على دلالة الحديث اليوم، عن فتح باب البيانات، لتؤكد أن البيانات لم تكن يوماً شأناً اقتصادياً محضاً، بل كانت ولا تزال مدخلاً لفهم السياسة وأدوات الحكم.
من هذا المنظور، أي دعم دولي لبناء منظومة بيانات مفتوحة لا يعني فقط تحسين الكفاءة وتعزيز الشفافية أو تلبية شروط المانحين، بل يمثّل كسراً واعياً لنهج سياسي طويل قام على احتكار المعرفة، والتحكّم بتداولها، وإقصاء المجتمع عن فهم واقعه والتفاعل معه أولاً، وعن المشاركة في صياغة مستقبله ثانياً. فالبيانات هنا ليست مورداً تقنياً محايداً، بل ساحة صراع رمزية بين منطقين متعارضين: منطق السلطة التي كانت ترى في الرقم مصدر تهديد، ومنطق الحكومة التي تعمل على تعزيز تنظيم المعرفة وتوزيعها بما هو حق عام وأساسي للمشاركة.
في هذا السياق، يعمل هذا العرض على تشييد معنى واضح لكل من البيانات المفتوحة/ إتاحة البيانات بوصفهما تعبيراً مباشراً عن واقع سياسي يختار إمّا الإخفاء لضمان السيطرة والحكم عبر الغموض، أو الفتح بوصفه إعلاناً لثقة متبادلة تفضي إلى توطين نشاط معرفي مستدام.
في العمل الصحافي التحليلي، لا تُستخدم المقارنة بوصفها أداة بلاغية، بل منهجاً لإنتاج المعنى وكشف البنية العميقة للقضية المدروسة. فعندما نقارن إدارة البيانات في سورية إبّان حكم الديكتاتورية ببيئة الأردن الأقرب اجتماعياً وجغرافياً، يصبح المعنى أكثر وضوحاً وقابليةً للفهم
ولا يعني غياب البيانات
ارسال الخبر الى: