البارح العين ما نامت في كان الـ79 مخرج يعرف ما يريد وكيف ينجزه
رغم أنّ البارح العين ما نامت فيلمُه الأول، استطاع الفلسطيني اللبناني راكان مياسي، بذكاء شديد، أن يبرز بين قلة من المخرجين العرب، الذين يستخدمون أدواتهم للموازنة بمهارة بين السرد والإيقاع والتصوير واختيار المكان، من دون اختلال أي عنصر من هذه العناصر. في جديده، المشارك في نظرة ما (منافسة على الكاميرا الذهبية) بالدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان كانّ، عاد المخرج، بملامسة أعمق، إلى ما ألمح إليه ببراعة فنية في فيلمه القصير أبواق في السماء (2021)، الذي روى حكاية بشرى، الشابة القروية السورية العاملة في الحقول اللبنانية، لحظة مغادرتها المراهقة إلى عالم آخر لم تختره. عالم البارح العين ما نامت وتفاصيله لا تختلف كثيراً عنه: أحداثه تحصل في سهل البقاع اللبناني، وتتناول حياة البدو المقيمين هناك، وعاداتهم وتقاليدهم الصارمة والقاسية، الخارجة على القوانين، والخاضعة للأعراف والقبلية وأحكام الشيوخ.
هذا كلّه، قرين الأمية والجهل، سيكون الدافع إلى أحداث جديد مياسي، الذي يتناول قضية ثأر. القصاص هنا يُصيب الفتيات والذكور، والأغرب كامنٌ في عدم ذكر مبدأ الديّة أو غيره، ومعاقبة العائلة بتهديدها وطردها رغم القصاص. ربما لهذا، أكثَرَ المخرج من التقاط كادرات بديعة للجبال والطبيعة المحيطة في البقاع، لا بوصفها خلفية جغرافية فقط، بل كياناً حيّاً يحمل ذاكرة المكان وتاريخه وأوجاعه، وجباله ووديانه شاهدة، رغم جمالها، على قسوة من تحتضنهم من البشر، وعلى تزمّتهم وصرامتهم.
لم يقع مياسي في فخّ المُكرّر، وانعدام المصداقية، واللجوء إلى الكليشيهات والمُباشَرة، ولم يُقدِّم إلى الغرب ما يريده، رغم فضحه موقع المرأة في المجتمع البدوي، ورغبتها في الهروب والتحرّر وحرية التعبير. وهذا عبر بناء بسيط، يرتكز على ثلاثة أشقاء، جواهر وريم وياسر (جواهر وريم وياسر المولى)، الذين يتغيّر مصيرهم كلّياً بعد أن صدم ياسر بسيارته، خطأً، أحد أبناء قبيلة مجاورة، في بحثه المحموم عن ابنة عمّه المختفية، ما أخضع العائلة كلّها لأحكام القبيلة ـ العشيرة ومنطقهما، خاصة جواهر وريم، اللتين تُرحّلان إلى بيت شيخ القبيلة المجاورة لتقرير مصيرهما، مقابل الابن المتوفّى لاحقاً في المستشفى. تتجلّى
ارسال الخبر الى: