الانسحاب الأمريكي من سوريا تموضعات جديدة في مسرح اللعبة القديمة
34 مشاهدة
على وقع أخبار الانسحابات الأمريكية المتتالية من الأراضي السورية يتحقق المحذور أو المحتوم وفق توقعات كثيرين من أن تكون هذه الخطوات ليست إلا فصولا جديدة في وقائع احتلال من نوع آخر يلبس ثوب إعادة التموضع و تقليص الوجود العسكري بينما هو في الحقيقة انتقال إلى مستوى جديد من الهيمنة والاستغلال وإدارة للأدوات وفرض للمصالح الأمريكية عبر أذرع محلية ودولية وفق ما يمكن تسميتها بـ قواعد اللعبة الجديدة التي تديرها واشنطن برؤى استراتيجيها الجديدة حيث لا تحتاج قواعد عسكرية أو قوات بقدر حاجتها إلى وكلاء وأدوات التنف والشدادي أبواب مواربة على فوضى منظمة لم يكد العالم يستوعب نبأ الجماعات المسلحة الحاكمة في سوريا لقاعدة التنف العسكرية تلك العقدة الجيوسياسية الحساسة عند تقاطع الحدود السورية العراقية الأردنية حتى جاء الإعلان عن انسحاب واشنطن من قاعدة الشدادي في ريف الحسكة ثاني أكبر القواعد الأمريكية في سوريا يقرأ هذا الانسحاب لا بوصفه خطوة عسكرية معزولة بقدر ما هو حلقة في مسار أوسع لإعادة ترتيب أولويات واشنطن في سوريا والمنطقة والأهم في سياق تكريس سيطرة العدو الصهيوني على المنطقة وفرض هيمنته بدءا من دول طوق فلسطين ضمن مسار ينذر بعواقب وخيمة على أمن الإقليم ومصالح دوله يتعمد الأمريكي بتوقيت مصالحه الاستراتيجية أن يرحل من قواعده في سوريا وبعض قواعده في العراق تاركا خلفه أبواب سجون داعش مواربة وممرات التسلل مفتوحة لورثة الجولاني والتنظيمات التكفيرية المسلحة بهدف توجيهها اليوم باتجاه مقاومة العراق وجموع حشده الشعبي المجاهد هي ذاتها السياسة الترامبية التي تسعى لإحياء ما قتلته دماء قادة النصر سليماني والمهندس ضمن مساعي واشنطن لتحويل العراق إلى ساحة استنزاف جديدة وتصفية حسابات قديمة فاليوم ومع هذه الانسحابات تمسك الجماعات المسلحة الحدود ولا تتسلل منها وحسب طالما والجولاني غدا الشرع بنظر وإذن أمريكا فالكل يوقع وتغدو الحدود التي كانت داعش تعبر منها خلسة أو تجتاحها عنوة بالسلاح كما في العام 2014 هي اليوم بحوزة الجماعات المسلحة طالما واسمها اليوم قوات الدفاع السورية وبيد أمريكا أن تبتز وتساوم وتقايض داعش أداة أمريكية لا تفنى الخطر الأكبر يكمن في ما يبدو أنه إعادة تدوير لتنظيم داعش واستثماره كأداة في يد الإدارة الأمريكية ولذا نشهد كيف أن داعش يحيى ويموت بقدرة الأمريكي وبقراره يستثمر ويوظف لخدمة أجنداته متى تطلبت مصالحه واقتضت ضروراته ومن أولاها وأولوياتها أمن الكيان وزعزعة أمن أعدائه كما أن انسحاب القوات الأمريكية من التنف المثلث المفتاح يماثل انسحابات أدواته من قبلها قسد تماما كما يشاء مديرو اللعبة الجديدة ومريدوها في تحركات تتناغم مع حقيقة نقل آلاف من معتقلي داعش من سجون قسد في سوريا إلى العراق وهي خطوة تثير الريبة وتغذي المخاوف من سيناريو تكرار منقح لسيناريو ألفين وأربعة عشر حيث تعمدت واشنطن أن تظهر أن غياب التحالف سيكون سببا لعودة التفجيرات والكمائن كما أن خروج داعش أو نقلهم إلى سجون العراق لم يأت إلا بعد دورات تأهيل استمرت لسنوات في ما تسمى سجون الحسكة في ختامها يجري اليوم نقل من تبقى على مكث من مناطقها التي سلمتها للجولاني إلى العراق الملعب القديم ليعود إليه لاعبوه وفق سيناريو إعادة تدوير شامل للتنظيم ولا ننسى أن قسد والولايات المتحدة تحتجز نحو عشرة آلاف عنصر من داعش مع سبعين ألفا من عائلاتهم في مخيم الهول المخيم الذي تحول إلى ثقب أسود بعد انسحاب القوات الكردية وتسليمه للجماعات المسيطرة على سوريا وسط تقارير مؤكدة عن فرار المئات وتسللهم عبر ضفتي الفرات الأمر الذي يجب أن يستحضره العراق أن إخلاء قواعد التنف و الشدادي و خراب الجير وتفجير البنية اللوجستية فيها قبل المغادرة ليس مجرد رفع للغطاء الأمني بل قد يكون فتح ممرات تسلل شرعية وغير شرعية لتدفق عناصر داعش وتوجيهها بعناية للضغط على الحكومة العراقية المطالبة بإزاحة قوات الحشد الشعبي وتياره المناوئ للوجود الأمريكي وإظهار أن غياب التحالف يعني عودة التفجيرات والكمائن وبالتالي إجبار بغداد على طلب الحماية الأمريكية مجددا قواعد اللعبة الجديدة تلك هي حكاية القواعد المسلمة أو المنسحبة منها أمريكا وآخرها الشدادي ثاني أكبر القواعد الأمريكية في سوريا وهي في الواقع قواعد اللعبة الجديدة التي تديرها واشنطن في المثلث الحدودي الأخطر وكل الأطراف فيها من قسد إلى داعش إلى جماعات الشام المسلحة إلى الجولاني والعراق والأردن المنسحبة إليهما القوات الأمريكية جميعها أدوات في محل تقدير أمريكا لمصالحها ويرى البعض أن الانسحاب يعكس انتقال واشنطن من نمط الوجود العسكري المباشر إلى ما يصفه بالردع عن بعد معتمدة على أدوات المراقبة الجوية والشراكات المحلية في ما يسمى مكافحة الإرهاب لكن هذا التعريف للدور الأمريكي يثير المزيد من التوجس إذ يعني استبدال احتلال غير مباشر مكان الاحتلال المباشر احتلال قائم على إدارة الصراعات عن بعد وتغذية الوكلاء والحقيقة أنه وإن انسحبت القوات الأمريكية من بعض قواعدها في سوريا لكن سوريا لم تتحرر كذلك حتى مع مغادرة قوات التحالف يبقى نفوذه أكبر من وجوده العسكري هذه هي خلاصة مكمن القلق فواشنطن لا تتخلى عن مصالحها أو هيمنتها بل تعيد صياغة آليات تحقيقها بما يضمن لها المرونة وتجنب الخسائر المباشرة مع استغلال الأوضاع الهشة في المنطقة اللعبة الجديدة من دمشق إلى بغداد يأتي هذا الانسحاب ضمن إعادة تموضع أوسع للقوات الأمريكية في سوريا شملت إخلاء 6 قواعد خلال عام واحد ما يثير تساؤلات حول انعكاساته المحتملة على التوازنات الأمنية والإستراتيجية في الجنوب السوري والعراق وعن نوايا الأمريكي تجاه العراق تحديدا لتصفية اللعبة القديمة ومحاولته التخلص من كل المحور ومعسكراته ومجاهديه في ظروف يراها هي الأنسب له من كل وقت مضى فالمنطقة وفق رؤية واشنطن الجديدة في رسم الهيمنة الصهيونية لا تحتاج قواعد أو قوات بقدر حاجتها إلى وكلاء وأدوات هذا الربط بين المصالح الأمريكية وأمن العدو الإسرائيلي ليس جديدا لكنه يتجلى بوضوح أكبر في هذه المرحلة حيث أمن الكيان بإبقاء خصومه بلا أمن إن انسحابات الأمريكي من سوريا وإعادة تموضع قواته في العراق تضع البلدين أمام تحديات جسام في تأمين مساحات صحراوية شاسعة لطالما شكلت بيئة نشطة لخلايا تنظيم داعش والنجاح في هذا سيعتمد على مستوى التنسيق الأمني بين دمشق وعمان وبغداد وقدرة الجماعات الحاكمة في سوريا على ضبط البادية ومنع عودة النشاط العابر للحدود وطبيعة الحضور الإيراني في المرحلة المقبلة والأهم هنا أنه لا يجب أن يقرأ الانسحاب الأمريكي من قواعد سوريا على أنه نهاية للمطاف فهو فصل جديد في لعبة الهيمنة حيث تغير واشنطن أدواتها وآلياتها لكن الهدف يبقى واحدا حماية مصالحها وفرض أجنداتها وهذا وفق الرؤية الصهيونية بتحقيق معادلة الاستباحة وشرط الأخيرة هو إبقاء المنطقة في حالة من الفوضى المنظمة والصراعات الدائرة تقرير يحيى الشامي اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي واتس أب تيليجرام منصة إكس The post الانسحاب الأمريكي من سوريا تموضعات جديدة في مسرح اللعبة القديمة appeared first on Alainpress