عن الانتقام والعدالة ما خلف القضبان وأمامها
يلتقي السجين السياسي بسجّانه الذي عذّبه أبشع تعذيب، فيقوم بخطفه، مقرّراً أن يدفنه حيّاً انتقاماً منه، لا بوصفه فعل ثأر آنيّاً فحسب، بل باعتباره محاسبة شخصية لمن دمّر حياته وتسبّب بضياع أجمل سنيّ عمره في المعتقل، وما تبع ذلك من انهيارات نفسية واجتماعية وصلت إلى حدّ انتحار خطيبته. ومع ذلك، ولأنه يملك ضميراً حيّاً لا يزال يقاوم الانجراف الكامل نحو العنف، يقرّر أن يتوثّق من هوية المحقّق السجّان قبل تنفيذ فعلته، فيلجأ إلى من كانوا معه في السجن من الرفاق والرفيقات، طالباً منهم أن يؤكّدوا له أن رهينته هو فعلاً المحقّق إقبال، الملقّب بـصاحب الساق، بسبب قدمه الاصطناعية الناتجة عن فقدانه ساقه خلال الحرب في سورية.
بعض الرفاق لا يوافق منذ البداية على فكرة الانتقام، رافضاً منطق القصاص الفردي ومخاطره، وبعضهم يتردّد ويقف في منطقة رمادية بين الغضب والخوف من التحوّل إلى صورة أخرى من الجلاد، بينما يتحمّس آخرون للانتقام بوصفه استعادة كرامة مسلوبة، وتصحيحاً لتوازن اختلّ زمناً طويلاً. هذا التباين في المواقف يعقّد الإجابة على السؤال الأكثر إلحاحاً، والذي يطرحه المعتقلون السابقون على أنفسهم بقلق عميق: هل نحن مثلهم؟ وهل يكمن الفارق الأخلاقي فيما تعرّضنا له أم فيما نختار أن نفعله لاحقاً؟
هذه ليست قصة سورية، وإن كانت قد حدثت، أو من المتوقّع أن تحدث كثيراً في بلادنا، لا سيما بعد سقوط النظام وتأخّر تنفيذ خطوات العدالة الانتقالية، وترك الذاكرة الجريحة بلا أفق إنصاف حقيقي. هذه قصة الفيلم الإيراني مجرد حادث بسيط للمخرج جعفر بناهي، وهو الفيلم المرشّح لأفضل فيلم أجنبي، وأيضاً لأفضل سيناريو أصلي في أوسكار هذا العام، بعد فوزه بالسعفة الذهبية في مهرجان كان.
صوّر المخرج بناهي فيلمه سرّاً داخل إيران ومن دون موافقة رسمية، ما أغضب السلطات الإيرانية، فحُكم عليه بالسجن لمدة عام ومنع من السفر لعامين. المفارقة أن الحكم صدر فيما كان المخرج في مهرجان كان السينمائي، في مشهد يختصر التناقض بين عالمين: عالم الاحتفاء الدولي بالفن، وعالم القمع الداخلي للفنان.
في الفيلم الإيراني، كما
ارسال الخبر الى: