عن الانتقام والعدالة ما خلف القضبان وأمامها

44 مشاهدة
يلتقي السجين السياسي بسجانه الذي عذبه أبشع تعذيب فيقوم بخطفه مقررا أن يدفنه حيا انتقاما منه لا بوصفه فعل ثأر آنيا فحسب بل باعتباره محاسبة شخصية لمن دمر حياته وتسبب بضياع أجمل سني عمره في المعتقل وما تبع ذلك من انهيارات نفسية واجتماعية وصلت إلى حد انتحار خطيبته ومع ذلك ولأنه يملك ضميرا حيا لا يزال يقاوم الانجراف الكامل نحو العنف يقرر أن يتوثق من هوية المحقق السجان قبل تنفيذ فعلته فيلجأ إلى من كانوا معه في السجن من الرفاق والرفيقات طالبا منهم أن يؤكدوا له أن رهينته هو فعلا المحقق إقبال الملقب بـصاحب الساق بسبب قدمه الاصطناعية الناتجة عن فقدانه ساقه خلال الحرب في سورية بعض الرفاق لا يوافق منذ البداية على فكرة الانتقام رافضا منطق القصاص الفردي ومخاطره وبعضهم يتردد ويقف في منطقة رمادية بين الغضب والخوف من التحول إلى صورة أخرى من الجلاد بينما يتحمس آخرون للانتقام بوصفه استعادة كرامة مسلوبة وتصحيحا لتوازن اختل زمنا طويلا هذا التباين في المواقف يعقد الإجابة على السؤال الأكثر إلحاحا والذي يطرحه المعتقلون السابقون على أنفسهم بقلق عميق هل نحن مثلهم وهل يكمن الفارق الأخلاقي فيما تعرضنا له أم فيما نختار أن نفعله لاحقا هذه ليست قصة سورية وإن كانت قد حدثت أو من المتوقع أن تحدث كثيرا في بلادنا لا سيما بعد سقوط النظام وتأخر تنفيذ خطوات العدالة الانتقالية وترك الذاكرة الجريحة بلا أفق إنصاف حقيقي هذه قصة الفيلم الإيراني مجرد حادث بسيط للمخرج جعفر بناهي وهو الفيلم المرشح لأفضل فيلم أجنبي وأيضا لأفضل سيناريو أصلي في أوسكار هذا العام بعد فوزه بالسعفة الذهبية في مهرجان كان صور المخرج بناهي فيلمه سرا داخل إيران ومن دون موافقة رسمية ما أغضب السلطات الإيرانية فحكم عليه بالسجن لمدة عام ومنع من السفر لعامين المفارقة أن الحكم صدر فيما كان المخرج في مهرجان كان السينمائي في مشهد يختصر التناقض بين عالمين عالم الاحتفاء الدولي بالفن وعالم القمع الداخلي للفنان في الفيلم الإيراني كما في الواقع السوري اليوم يتحول حادث بسيط وعابر إلى أزمة تعصف بالجميع وتضعهم في مواجهة الأسئلة الكبرى عن قمع النظام وأدوات القمع وعن الجلادين الصغار داخل بنية العنف الكبرى وهل هذه الأدوات هي ما يصنع النظام أم إنها تعبير عن تفاهة الشر وليست سوى برغي صغير في هيكلية نظام شمولي أيديولوجي يستمر حتى عبر أشخاصه الأكثر عادية عرض عليه مسؤولون ثقافيون أن يصور فيلمه القادم في سورية مع وعود بتسهيلات كبيرة في إشارة ساخرة وقاسية إلى توظيف موارد الدولة في الصراعات الخارجية من نحاكم ومن نعاقب ومن يحاكم من أي طرق تحقيق نستخدمها وهل يسمح لنا باستخدام وسائل العنف نفسها التي مارسها علينا جلادو النظام ولماذا سمح لهم العالم بل وبرر لهم استخدام أقذر الطرق والأساليب في الاعتقال وارتكاب المجازر ثم يريد اليوم أن يحاسبنا على الرغبة في الانتقام منهم أي مستنقع أخلاقي هذا الذي نجد أنفسنا فيه حيث تختلط العدالة بالغضب والحق بالثأر والذاكرة بالرغبة في النسيان القسري لا تحضر سورية في هذا الفيلم من خلال هذه الأسئلة فقط بل نراها ماثلة أيضا في التفاصيل إذ يتبين خلال مجريات الأحداث أن ساق المحقق قد فقدها في سورية وأنه كان يجبر المعتقلين والمعتقلات وهم معصوبو الأعين على تحسسها ويتفاخر بـمآثره في حربه المقدسة هناك في إسقاط لاذع على تداخل العنف الخارجي بالقمع الداخلي ولم يكن هذا الفيلم هو العمل الإيراني الوحيد الذي يطرح موضوع التدخل الإيراني في سورية وتأثيره على الواقع الداخلي الإيراني فقد سبق أن شاهدت الفيلم الإيراني المميز كوميديا إلهية للمخرج علي أصغري في مهرجان الدوحة السينمائي الأخير والذي يروي معاناة صانع أفلام صور عمله باللغة الأذرية وهي لغة الأذريين الإيرانيين ومنهم المرشد علي خامنئي ويحاول عرضه داخل إيران بعد أن عرض في مهرجانات خارجها لا توافق الرقابة على عرضه بحجة صيانة الأمن القومي واعتباره فيلما يهدد مصالح البلاد فيما يعرض عليه مسؤولون ثقافيون أن يصور فيلمه القادم في سورية مع وعود بتسهيلات كبيرة في إشارة ساخرة وقاسية إلى توظيف موارد الدولة في الصراعات الخارجية مقابل تشديد القبضة على الداخل كما يسخر الفيلم من تضييق النظام على الفن والحريات الشخصية في الوقت الذي ينخرط فيه في حروب إقليمية مكلفة تؤثر مباشرة على حياة الناس المعيشية وتهدر مقدرات الدولة باسم حروب يزعم أنها مقدسة المفارقة أن الفيلم يعرض داخل فيلا خاصة يوم سقوط بشار الأسد وهو ما يوثقه العمل نفسه الذي صور في إيران بعد الحصول على رخصة تصوير لأغراض دعائية من بينها دعاية للمثلجات وللحق فإن مسألة التماهي مع أخلاق الشر وعدم الانجرار إلى أخلاق الخصم بداعي الانتقام أو الرد بالمثل وفق مبدأ العين بالعين الذي يجعل العالم أعمى كما عبر المهاتما غاندي ظلت مطروحة دوما على الضمير الإنساني وقد عبر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه عن هذه الإشكالية بوضوح في كتابه ما وراء الخير والشر حين قال من يصارع الوحوش عليه أن يحذر من أن يصبح هو نفسه وحشا وإذا أطلت النظر في الهاوية فإن الهاوية ستطل فيك أيضا ومن هنا تأتي أهمية التماسك الأخلاقي وعدم الوقوع في هاوية أخلاقهم فأفضل طريقة للانتقام من عدوك ألا تكون مثله على حد تعبير الفيلسوف الرواقي الإمبراطور ماركوس أوريليوس

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح