الاستشفاء بالفن من التجربة الجمالية إلى الأثر الصحي
تقدم الباحثة البريطانية دايزي فانكورت مقاربةً علميةً للعلاقة بين الممارسة الفنية والصحة النفسية والجسدية، تنطلق من سؤالٍ مركزي حول الكيفية التي يمكن بها للفنون أن تسهم في إعادة تشكيل التجربة الإنسانية للصحة. وتستند الباحثة في كتابها الاستشفاء بالفن: علم كيف تغير الفنون صحتنا (دار كورنرستون 2026)، إلى حقلٍ بحثيٍّ يتقاطع فيه علم النفس الحيوي مع علم الأوبئة، في محاولةٍ لتتبع أثر التفاعل مع الفنون داخل الجسد والعقل ضمن سياقات الحياة اليومية والممارسات العلاجية. ولا يحيل مفهوم الاستشفاء هنا إلى العلاج السريري المباشر، بل إلى الأثر المحتمل للفنون في الصحة الجسدية والنفسية وفق مقاربات علم النفس الحيوي.
تنطلق فانكورت من فرضيةٍ بحثية ترى أن التجربة الفنية يمكن تفكيكها إلى عناصر وظيفية، تسميها المكونات الفعالة، مثل التحفيز العصبي وتقليل مستويات التوتر وتعزيز التفاعل الاجتماعي، وإعادة تنظيم الاستجابات الانفعالية. وتطرح أن هذه المكونات قد تسهم في تفسير بعض الآثار الصحية المرتبطة بالمشاركة الفنية، بما في ذلك تحسين المزاج وتقليل الإحساس بالألم، في حالات الاكتئاب الخفيف والمتوسط، مع اختلاف مستوى التأثير بحسب السياق ونوع النشاط.
يمتد هذا التصور ليشمل طيفاً واسعاً من الممارسات، من الموسيقى والرسم إلى المسرح والقراءة والأنشطة اليدوية. وتشير الدراسات التي يستند إليها الكتاب إلى أن المشاركة المنتظمة في هذه الأنشطة قد ترتبط بتحسنات في مؤشرات الرفاه النفسي، وتراجع مستويات العزلة، إضافةً إلى انعكاساتٍ محتملة على الوظائف المعرفية على المدى الطويل، بما في ذلك تباطؤ التدهور الإدراكي لدى كبار السن. غير أن هذه النتائج تقدَّم في إطار احتمالي يرتبط بتعدد العوامل المؤثرة في الصحة، ولا يُفهم منها وجود علاقة سببية مباشرة في جميع الحالات.
يتناول التباين بين تزايد الأدلة البحثية حول أثر الفنون، وتراجع حضورها في السياسات التعليمية والصحية
في المجال السريري، يعرض الكتاب نماذج من تطبيقات الفنون داخل البيئات الطبية، مثل استخدام الموسيقى أو الأنشطة الإبداعية في دعم المرضى أثناء العلاج أو التعافي، إذ قد تسهم في تخفيف التوتر وتحسين الاستجابة للعلاج، ومساعدة بعض الحالات على استعادة قدراتٍ
ارسال الخبر الى: