الاحتلال من فائض الردع إلى عجز الرواية

لم يكن العام المنصرم مجرد سنة أخرى تمر على الاحتلال وسط واقع استعماري ممتد اقترب عمره من ثمانية عقود، اعتاد العالم على مشاهدة فصوله يوميا، لكنه كان عاما مختلفا في عمقه ودلالاته، شهد انتقال المعركة من حدود السياسة التقليدية إلى قلب الشرعية الأخلاقية والقانونية، فما جرى خلال هذا العام لا يمكن اختزاله في تراجع مؤقت في التعاطف، أو أزمة علاقات عامة عابرة، بل هو مسار تراكمي من التآكل أصاب صورة الاحتلال وشرعيته في الوعي العالمي، وخصوصا داخل المجتمعات التي طالما شكلت حاضنته السياسية.
جذور هذا التآكل تعود إلى مفارقة قديمة جديدة في التجربة الاستعمارية المعاصرة، وهي القوة المفرطة التي تفتقر إلى أفق سياسي، لعقود اعتمد الاحتلال على تفوق جيشه وقدرته على فرض الوقائع، بينما تراجعت قدرته على إنتاج رواية مقنعة عن الحاضر او المستقبل، وفي هذا العام بلغ هذا التناقض ذروته، الصور اليومية للمجازر والدمار والتجويع، الخطاب الأمني المطلق، والتنكر لمبادئ القانون الدولي لم تعد تفاصيل هامشية، بل تحولت إلى عناصر مركزية في تشكيل الرأي العام العالمي، فلم يعد النقاش يدور حول امن الاحتلال فقط، بل حول طبيعة البنية والنظام اللذين ينتجان هذا المستوى غير المسبوق من الجريمة والعنف، ويعيدان إنتاجه مرارا وتكرارا بلا مساءلة.
في هذا السياق برزت حملات المقاطعة كأحد أهم ملامح التحول، فالمقاطعة لم تعد فعلا رمزيا أو نشاطا نخبويا، بل صارت أداة ضغط اجتماعي ومؤسسي، الجامعات والنقابات والمؤسسات الثقافية والشركات العابرة للحدود باتت تحسب كلفة الارتباط بدولة الاحتلال، ليس من زاوية الربح والخسارة فقط، بل من زاوية السمعة والمخاطر القانونية والأخلاقية، وهذا التحول خطير بالنسبة للاحتلال، لأنه يضرب مساعي أكثر من سبعة عقود من محاولات الاندماج الطبيعي في النظام العالمي، ويحول وجوده في كثير من الساحات إلى موضوع سؤال أو محط جدل دائم.
المقاطعة لم تعمل بمعزل عن المسار القانوني الدولي، بل تفاعلت معه، والنقاش حول القانون الدولي لم يعد محصورا في تقارير حقوقية، بل دخل إلى صلب الخطاب السياسي والإعلامي، فتوصيف الاحتلال كحالة قانونية ذات
ارسال الخبر الى: