عن الاتفاق الذي ينتظره اليمنيون

يمنات
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
إن ملف الأسرى اليمنيين ليس مجرد “ملف إنساني”، بل جرح مفتوح في جسد اليمن، وصورة مكثفة لحجم الانهيار الذي أصاب الدولة والإنسان والوعي والضمير الوطني معاً.
حين يعود الأسرى إلى بيوتهم، لا يعود أفراد فقط، بل تعود حكايات القهر، وساعات التعذيب، وهراوات وأدوات الجلادين اللاإنسانية، وزوايا السجون المعتمة، وأصوات أبوابها الحديدية، ووجوه السنوات المسروقة، ودموع الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن بين الحياة والموت، وانكسار وحزن الأطفال والزوجات.
نعم، يعودون كشهود أحياء على حرب لم تترك شيئاً إلا وأحرقته: المدن، والحياة، والذاكرة، والكرامة، وحتى المعنى الحقيقي للوطن.
لكن السؤال الأخطر ليس في عودة الأسرى، بل في السبب الذي جعل اليمنيين أصلاً يتحولون إلى أسرى داخل وطنهم.
لقد كشفت الحرب اليمنية حقيقة مرعبة: أن الدولة حين تنهار، يتحول الإنسان إلى مجرد ورقة تفاوض. ففي زمن السقوط الكبير، لم يعد اليمني مواطناً أصيلاً داخل دولة تحميه، بل أصبح رقماً اعتيادياً في قوائم القتل، أو الجوع، أو النزوح، أو الاعتقال، أو الفقد.
هكذا هي الحروب الداخلية الطويلة والممولة خارجياً، تُنتج مع الزمن حالة مزمنة من ضمور الضمير والتآكل الأخلاقي لدى الأطراف المتصارعة. وكل طرف يسعى إلى استعادة جزء من شرعيته عبر إظهار قدر من “الإنسانية عند لحظة مراجعة” في إدارة الصراع.
من هنا، تتحول اتفاقيات تبادل الأسرى إلى منصة لإعادة ترميم الصورة السياسية والأخلاقية أمام الداخل والخارج. فالأسرى ليسوا مجرد أرقام داخل قوائم تفاوضية، إنهم أبناء الشعب اليمني المطحون وقبائله اليمنية؛ مقاتلون، وناشطون، وسياسيون، وصحفيون، كلها وجوه تمثل ذاكرة الحرب اليمنية وآلامها.
ولذلك، فإن أي اتفاق لتبادل الأسرى ينعكس فوراً على الشارع اليمني، ويولد حالة نفسية وسياسية تتجاوز البعد الإنساني المباشر. ومن هنا، فإن أي اتفاق يتعلق بالأسرى لا يمكن قراءته فقط بوصفه “خطوة إنسانية”، بل باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل المجال السياسي والنفسي والاجتماعي في اليمن.
غير أن البعد الإنساني هنا لا يعمل بصورة بريئة أو معزولة عن الحسابات السياسية. فكل عملية تبادل تتحول إلى استعراض للقوة المعنوية، وإلى
ارسال الخبر الى: